كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
ليست كل الهزائم تكتشفها الخرائط الجغرافية، فهناك هزائم تصنعها الأقلام قبل أن ترسمها الدبابات. وما وقع في واشنطن ليس مجرد "تفاهم سياسي"، بل هو وثيقة استسلام مدونة بحبر دبلوماسي، ستبقى عاراً في سجل التاريخ اللبناني الحديث إن لم يُصحح مساره فوراً.
من يقرأ بنود الاتفاق بعين واعية، وليس بعين متحمسة للهدوء بأي ثمن، يرى بوضوح فاقعاً أن الميزان مائل بشكل غير عادل. لبنان يتحمل عبء الالتزامات الفورية والمطلقة: نزع سلاح المقاومة، فرض السيطرة الأمنية، ومنع أي عمل مقاوم، بينما تبقى التزامات إسرائيل مشروطة، مؤجلة، ومربوطة بـ"آليات تنفيذ" و"مراحل لاحقة" قد لا تأتي أبداً. هذا ليس تفاوضاً بين طرفين متكافئين، بل هو إملاء لشروط الاستسلام تحت غطاء "السلام".
لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً جداً؛ دماء الشهداء، دمار الجنوب، ونزوح مئات الآلاف. وكان من المفترض أن تكون هذه التضحيات هي العملة الصعبة التي يشتري بها لبنان حقوقه، لكنها تحولت في طاولة واشنطن إلى ذريعة لانتزاع تنازلات لم يكن العدو قادراً على انتزاعها ميدانياً رغم تفوقه العسكري. هنا تكمن الجريمة السياسية الكبرى: تحويل المعاناة الوطنية إلى ورقة ضغط ضد الشعب نفسه، بدلاً من استخدامها كدرع واقي للسيادة.
التاريخ لا يسامح الدول التي تذهب للمفاوضات لتسلم مفاتيح بيوتها، بل للدفاع عن جدرانها. وظيفة الدولة اللبنانية، في أوج أزمتها الوجودية، ليست التوقيع السريع لإنهاء القصف، بل حماية الكرامة الوطنية وضمان عدم التفريط بالحق الثابت في المقاومة والردع. عندما تعلن الدولة أن "محور المقاومة" هو العدو الذي يجب عزله أو نزع سلاحه لصالح الاحتلال، فإنها بذلك تخون عهد الأمانة مع شعبها، وتخلط بين الدفاع عن الوطن وخيانته.
قد يدافع المؤيدون عن هذا الاتفاق بأنه "فرصة تاريخية" للاستقرار، لكن الاستقرار الذي يُبنى على أساس زرع الذل وتفكيك الردع الوطني، هو استقرار هش وسريع الزوال. إنه هدنة مؤقتة تشتري فيها الدولة الهدوء اليوم بسعر بيع السيادة غدًا. الزمن وحده سيكشف الحقيقة، ولكن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل لبناني بصراحة وجسارة هو: هل نحن نبحث عن سلام حقيقي يحفظ كرامتنا، أم عن هدنة مؤقتة تسمح للاحتلال بتثبيت قدميه داخل حدودنا؟
نحن نؤمن أن الشعوب لا تنسى، وأن التضحيات لا تُستبدل بالتنازلات. أي اتفاق لا يضمن انسحاب كامل للعدو الإسرائيلي، ولا يحفظ حق الشعب في تقرير مصيره وأدوات دفاعه، هو اتفاق فارغ من الشرعية الشعبية، ومفتقر للأخلاق الوطنية.
سيكتب المؤرخون عن هذا اليوم، ولن يهتموا بألقاب الموقّعين أو عباراتهم الدبلوماسية المجوفة سيتوقفون عند سؤال واحد قاسٍ ومباشر:
هل خرج لبنان من واشنطن كدولة حرة تحمي سيادتها، أم خرج كوكيل لتنفيذ أجندة خارجية، مثقلاً بالتزامات تخدم عدوه وتخنق مقاومته؟
الإجابة على هذا السؤال ليست سياسية فحسب، بل هي قضية شرف وطني. والتاريخ، كما عرفنا دائماً، لا يرحم من يخون ثقة شعبه باسم السلام الوهمي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :