ما حقيقة التلف الدماغي المتأخر لدى لاعبي كرة القدم؟
حتى الآن، واعتماداً على أحدث التقارير الإخبارية كانت أقوى الإصابات الخطيرة في كأس العالم 2026 هي إصابة إسماعيل كونِه لاعب كندا، والذي عانى من كسر خطير في الساق، وتعرّض لإصابة "مروّعة" في مباراة كندا ضد قطر بعد تَدخُّل وصف بـ"العنيف" من اللاعب عاصم مادبو. إذ قال المدرب الكندي إن الجميع سمع صوت كسر العظم، ونقل اللاعب مباشرة إلى المستشفى لإجراء عملية جراحية. وأنهَت الإصابة مشاركته في المونديال بصورة مؤكدة، وذلك وفقاً لـ"فوكس نيوز" ومواقع إخبارية عالمية أخرى.
هناك أيضاً إصابات خطيرة قبل أو أثناء البطولة أدت إلى غيابات مؤكدة من هذا المونديال. فالبرازيل وهي الأكثر تضرراً بـ 4 غيابات من التشكيلة الأساسية عانت من غياب اللاعب رودريغو الذي عانى من تمزق الرباط الصليبي والغضروف الهلالي، وهو غائب منذ مارس (آذار) الماضي. ومن غياب إستيفاو الذي توارى أيضاً بسبب تمزق عضلي حاد في الفخذ، فيما عانى ميليتاو من إصابة في الفخذ مع جراحة، وويسلي غاب بسبب إصابة عضلية قوية في الفخذ. أما في ألمانيا، فقد عانى سيرج غنابري ولينارت كارل من تمزق عضلي في الفخذ. وفي منتخب هولندا تعرض تشافي سيمونز لتمزق الرباط الصليبي ويوريين تيمبر لإصابة مزمنة في الحوض وخضع ماتياس دي ليخت لجراحة في الظهر.
الإصابة علمياً
للعلم رأي آخر في الأحداث الرياضية. وفي مجال الإصابة الرياضية أكد علماء أخيراً أن الإصابة التي تحدث في الملعب قد يظهر أثرها بعد ذلك بأعوام. وفي هذا السياق كشفت بحوث علمية ودراسات سريرية أن أدمغة كثير من لاعبي كرة القدم تتأثر بالإصابات التي تحدث على أرض الملعب بأثر مباشر أو غير مباشر. فأخطر الإصابات القوية للرياضيين في بطولات شديدة التنافس مثل كأس العالم ليست دائماً تلك التي تحدث في المستطيل الأخضر أو أمام أعين الجماهير والمتفرجين، وذلك لأن الكشف عن بعضها حدث بعد البطولة بأعوام، من خلال التقصي الدقيق وعبر علم الأعصاب تحديداً.
فقبل أعوام، كشف علم الأعصاب الحديث عن أبحاث أجريت على أدمغة لاعبي كرة قدم سابقين "تبرعوا بها للعلم"، وتبين أن أدمغتهم كانت مليئة بالأمراض أبرزها الخرف والاكتئاب والعدوانية.
جاء ذلك في مقالة بعنوان: "أدمغة لاعبي كرة قدم سابقين تبرعوا بها للعلم مليئة بالأمراض". والمقالة لبيث مول، وهي مراسلة صحية في موقع علمي أميركي. وتحمل المراسلة شهادة دكتوراه في علم الأحياء الدقيقة من جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل، ودرست برنامج التواصل العلمي في جامعة كاليفورنيا، سانتا كروز. وهي متخصصة في تغطية الأمراض المُعدية والصحة العامة والميكروبات.
نُشرت المقالة يوم 26 يوليو (تموز) 2017، وتقول الكاتبة في مستهلها: "لا تقدم لنا هذه السلسلة الكبيرة من الحالات معلومات كافية عن المرض، لكنها تسلط الضوء على الأخطار". إذ أفاد باحثون في تقرير نُشر في مجلة الجمعية الطبية الأميركية، بانتشار علامات مرض تَنكُّسي دماغي بين عيّنة من أدمغة لاعبي كرة قدم سابقين جرى التبرع بها. وتؤكد المراسلة الصحية أن هذا الاكتشاف "يعزز العلاقة بين ممارسة كرة القدم العالمية وكرة القدم الأميركية التي تعد أكثر خشونة والإصابة باعتلال الدماغ الرضحي المزمن الذي يسمى اختصاراً (CTE) ". ويُعدّ اعتلال الدماغ مرضاً خطيراً مرتبطاً بتلقي ضربات متكررة على الرأس في أرض الملعب. وظهر هذا المرض للمرة الأولى لدى الملاكمين. وعلى رغم ذلك، تقدم الدراسات الواسعة حوله معلومات جديدة تذكر للمرة الأولى حول المرض، إذ تصف بعضها تطوره أو مدى انتشاره لدى لاعبين كرة القدم تحديداً.
تشخيص المرض
جرى تشخيص اعتلال الدماغ الرضحي المزمن عن طريق فحص الدماغ بعد الوفاة. إذ بحث الأطباء عن تجمعات غير طبيعية من البروتين تتراكم بالقرب من الأوعية الدموية الصغيرة. وتُظهر الحالات الخفيفة من اعتلال الدماغ الرضحي المزمن العيوب في الطبقة الخارجية للدماغ، بينما تظهر في الحالات الشديدة في مناطق أعمق من الدماغ. وفي هذه الدراسة، اعتمد الباحثون بقيادة آن ماكي اختصاصية علم الأمراض العصبية في جامعة بوسطن، على بنك أدمغة للاعبين يُعتبرون معرضين لخطر الإصابة بالمرض. وقد تعرض هؤلاء اللاعبون لإصابات متكررة في الرأس خلال حياتهم نتيجة ممارسة كرة القدم. "وكان متوسط أعمارهم عند الوفاة 66 سنة. ومن بين عينة مكونة من 202 دماغ، ظهرت علامات اعتلال الدماغ الرضحي المزمن على 177 دماغاً، أي ما نسبته 87 في المئة.
"عينة ملائمة"
علمياً تعد عينة أدمغة 202 لاعب كرة قدم سابق "عينة ملائمة" لإجراء ما يكفي من دراسات، ولكن ومن أجل النزاهة العلمية فإن العينة المذكورة توصف في المقالة والدراسات بأنها "عينة مُتحيّزة". بمعنى أنها لا تعبر عن جميع لاعبي كرة القدم، مع الإشارة إلى أن العينة تمثل اللاعبين في لعبة كرة القدم الأميركية أكثر من لعبة كرة القدم العادية. إذ تبرع اللاعبون وعائلاتهم بالأدمغة بعد أن عانى اللاعبون من أعراض مرتبطة باعتلال الدماغ الرضحي المزمن خلال حياتهم، أو بعد الاشتباه بإصابتهم به أو باعتبارهم معرضين لخطر الإصابة به.
وأبلغ الرياضيون الممثلون في العينة المذكورة عن معدلات أعلى بكثير من أعراض اعتلال الدماغ الرضحي المزمن خلال حياتهم، مقارنة بتلك الموجودة في استطلاعات رأي لاعبي دوري كرة القدم الأميركية (NFL) الأحياء والمتقاعدين. واقتصرت الدراسة على بيانات علم الأمراض من نقطة زمنية واحدة فقط وبعد الوفاة تحديداً. لذا لم يكن بالإمكان دراسة تطوّر المرض أكثر من ذلك. كذلك لم تتضمن الدراسة عينة من أدمغة أشخاص لم يتعرضوا لضربات كرة القدم، وهذا يعني علمياً أن مثل هذه العينات تدعى "مجموعة غير ضابطة".
مقارنة
المقصود بكون العينة مجموعة ضابطة هو وجود مجموعة من الأشخاص الذين لا يتعرضون لعامل الخطر الذي تعتمد الدراسة عليه.
وتستخدم مثل هذه المجموعة للمقارنة مع المجموعة التي تعرضت للخطر، بهدف معرفة ما إذا كان العامل مثل لعب كرة القدم هو سبب التغيّرات أو المرض. وفي هذه الدراسة فحص الباحثون أدمغة 202 لاعب كرة قدم سابق بعد وفاتهم، لكنهم لم يفحصوا أدمغة أشخاص لم يلعبوا كرة القدم. وهؤلاء الأشخاص الذي لا يمارسون لعبة كرة القدم، هم من يسمون المجموعة الضابطة، وهي مجموعة تستخدم كمرجع أو خط أساس للمقارنة. ويؤكد العلماء أن وجود مجموعة ضابطة مهم لأنه يساعد الباحثين على معرفة ما إذا كانت التغيرات في أدمغة لاعبي كرة القدم ناتجة من اللعب نفسه أم أنها قد تحدث أيضاً عند أشخاص لم يلعبوا كرة القدم. لذلك من المهم الإشارة إلى أنه ومن دون وجود عينة مجموعة ضابطة، لا يمكن الجزم بأن المرض مرتبط بكرة القدم فقط.
توضيح
لتوضيح الفكرة يمكن تشبيه الأمر بدراسة تأثير السكر على الوزن. إذ تكون المجموعة التجريبية مؤلفة من أشخاص يأكلون السكر والمجموعة الضابطة تشمل أشخاصاً لا يأكلون السكر، ومن دون المجموعة الضابطة لا يمكن معرفة ما إذا كانت الزيادة في الوزن سببها السكر أم شيء آخر. لذلك نوّه العلماء إلى أن هذه الدراسة لا تقدم معلومات كافية حول مدى انتشار اعتلال الدماغ الرضحي المزمن (CTE) بين لاعبي كرة القدم، أو الأخطار المطلقة للإصابة به، أو ارتفاع الأخطار النسبية التي قد يواجهها لاعبو كرة القدم مقارنة بغيرهم. وعلى رغم ذلك، تضيف هذه الدراسة إلى الأدلة المتزايدة التي تربط بين الإصابات القوية في كرة القدم الأميركية وغيرها من الرياضات عالية التأثير، وتطور اعتلال الدماغ الرضحي المزمن. إذ يرتبط هذا المرض المدمر بمشكلات متفاقمة في الذاكرة تؤدي مع التقدم في السن إلى الخرف، أو الاكتئاب والعدوانية.
النتائج
توزعت نتائج هذه الدراسات كالتالي: 110 من أصل 111 (99 في المئة) من لاعبي دوري كرة القدم الأميركية (NFL) جرى تشخيص إصابتهم باعتلال الدماغ الرضحي المزمن. وكذلك سبعة من أصل ثمانية (88 في المئة) من لاعبي الدوري الكندي لكرة القدم، و48 من أصل 53 (91 في المئة) من لاعبي كرة القدم الجامعية، و9 من أصل 14 (64 في المئة) من اللاعبين شبه المحترفين، و3 من أصل 14 (21 في المئة) من لاعبي المدارس الثانوية، فيما لم يُشخّص أي من لاعبي ما قبل المرحلة الثانوية بالمرض. وكانت حالات لاعبي المدارس الثانوية الثلاثة المصابين باعتلال الدماغ الرضحي المزمن خفيفة. أما بقية فئات اللاعبين، فقد تراوحت بين الخفيفة والشديدة.
بيانات سريرية
من خلال استطلاعات رأي موسعة عبر الإنترنت والهاتف مع أفراد عائلات اللاعبين، جمع الباحثون بيانات سريرية حول الأعراض المحتملة لاعتلال الدماغ الرضحي المزمن (CTE) وتطورها لدى 111 لاعباً مصاباً بهذا الاعتلال. وبعد ربط بيانات علم أمراض الدماغ بالبيانات السريرية، تبين أنه من بين 84 مشاركاً ظهرت عليهم علامات حادة لاعتلال الدماغ الرضحي المزمن، عانى 75 منهم (89 في المئة) من أعراض سلوكية أو مزاجية أو كليهما. وأن 80 منهم (95 في المئة) عانوا من أعراض إدراكية، و71 منهم (85 في المئة) من علامات الخرف، وذلك وفقاً لما ذكره الباحثون.
لذلك تقدم هذه النتائج ارتباطاً يدعم نتائج مماثلة في دراسات سابقة، "لكنها لا تثبت أن تشوهات الدماغ هي سبب الأعراض". من جهة ثانية وجدت استطلاعات سابقة أن نحو 6 في المئة من لاعبي دوري كرة القدم الأميركية (NFL) المتقاعدين الذين تزيد أعمارهم على 56 سنة أبلغوا عن مشكلات في الذاكرة، وأن نحو 11 في المئة منهم عانوا من الاكتئاب.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي