خاص ايكون نيوز
لا تكمن الخطورة الحقيقية في المرحلة الراهنة في المفاوضات الجارية بين عواصم كبرى مثل واشنطن وطهران، بل في المكانة التي يحتلها لبنان داخل هذه المعادلة الإقليمية الضخمة. فبينما تتحرك الدول الكبرى وتتعاطى مع ملفات السلام والحرب كأدوات استراتيجية لحسابات مصالحها، يبدو أن لبنان الرسمي يدخل هذه الاستحقاقات التاريخية من موقع هش، ليس بسبب حجم التحديات الخارجية فحسب، بل بسبب الفراغ الداخلي الذي يفقد الدولة قدرتها على التفاوض من موقع القوة.
في السياسة الدولية، لا يكفي الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ فالشرط الأساسي هو الحضور بأوراق قوة سياسية، أو اقتصادية، أو ميدانية، تضمن أن صوتك مسموع وأن مصالحك محمية. ولكن، ماذا يحمل لبنان في يده اليوم؟ إن لبنان الرسمي، بما يعنيه من مؤسسات رسمية وحكومات متعاقبة، يبدو أنه دخل هذه المرحلة وهو يعاني انقساماً داخلياً حاداً، وعجزاً مزمناً عن إنتاج رؤية وطنية موحدة تجاه الملفات الوجودية المطروحة. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو شلل في آلية صنع القرار، يجعل الدولة عاجزة عن حماية سيادتها الكاملة في ظل تحولات قد تحسم مصير المنطقة لسنوات قادمة.
على المستوى الداخلي، لا تزال الوقائع الميدانية تفرض نفسها كواقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله بالشعارات. جزء كبير من المشهد السياسي والأمني في لبنان، ولا سيما في الجنوب، يخضع لتوازنات قوى قائمة، ولواقع ميداني تديره قوى لها شرعيتها الشعبية وسيادتها الفعلية على الأرض. أي نقاش حول مستقبل الجنوب أو الترتيبات الأمنية المقبلة، إذا لم يأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، وإذا حاول تجاوز هذه التوازنات بالقوة السياسية أو الدبلوماسية فقط، فإنه محكوم بالفشل أو بتوليد صراعات جديدة. فالمقاومة، بوصفها قوة ردع ومكوناً أساسياً في المعادلة الأمنية، لم تعد ورقة يمكن تبديلها أو تجاهلها، بل هي واقع يجب التفاوض معه، لا ضده.
أما على المستوى العربي، فإن لبنان يجد نفسه أمام مفترق طرق حاسم. فالدعم العربي لم يكن يوماً تفصيلاً في تاريخ لبنان، بل شكّل في محطات عديدة شبكة أمان سياسية واقتصادية حيوية. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج لبنان إلى التمسك بعمقه العربي، وعدم إدارة ظهره للمبادرات العربية البناءة التي تسعى لتثبيت الاستقرار في المنطقة. إن متابعة المواقف الصادرة عن العواصم العربية المؤثرة، وفي مقدمتها الرياض، أصبحت ضرورة استراتيجية؛ إذ إن أي تسوية إقليمية مستقرة تحتاج إلى حد أدنى من التفاهم العربي حولها، لا أن تتحول إلى اتفاقيات منفصلة تُفرض على المنطقة من الخارج، بعيداً عن الإرادة العربية المشتركة.
المفارقة المؤلمة في المشهد اللبناني الحالي، أن النقاش العام انشغل طويلاً، وربما بشكل مفرط، بالسؤال: هل ستنجح المفاوضات الأميركية-الإيرانية أم ستفشل؟ بينما السؤال الأهم، والأكثر جوهرية، لم يحظَ بالاهتمام الكافي: ماذا أعدّ لبنان لنفسه إذا نجحت هذه المفاوضات؟ فنجاح أي تفاهم إقليمي سيعني انتقال المنطقة إلى مرحلة جديدة تماماً، وعندها لن يكون المطلوب تفسير ما جرى أو تحليل أسباب النجاح أو الفشل، بل الاستفادة من نتائجه، وحماية المصالح الوطنية ضمن هذا الإطار الجديد، وضمان أن لا يكون لبنان مجرد ساحة لاختبار التوازنات الجديدة، بل شريكاً فاعلاً في صياغتها.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام لبنان ليس مراقبة المفاوضات من بعيد، أو التعليق عليها بآراء متباينة، بل امتلاك رؤية واضحة ومحددة لموقعه في الشرق الأوسط الذي يتشكل من جديد. الدولة التي تكتفي بانتظار ما يقرره الآخرون، والتي لا تقدم بديلاً سياسياً أو أمنياً قوياً، ستجد نفسها دائماً أمام وقائع صُنعت من دونها، لا معها. إن قوة لبنان لا تكمن فقط في قدرته على الصمود أمام الأزمات، بل في قدرته على تحويل هذه الأزمات إلى فرص لإعادة بناء دوره الإقليمي، من خلال وحدة الداخل، وواقعية المواقف، والانخراط الفاعل في المعادلة العربية والإقليمية، لا الانعزال عنها أو التماهي مع رغبات خارجة لا تضمن له المستقبل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :