ICON NEWS
بين الميدان والسياسة... من يرسم خرائط الشرق الأوسط الجديدة؟
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة، بل من سيكون صاحب اليد الأقوى في رسم ملامحها. فبعد أشهر من التصعيد العسكري والتوتر السياسي والاقتصادي، جاء توقيع التفاهم الأميركي – الإيراني ليؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام محطة مفصلية قد تعيد ترتيب الأولويات والتحالفات والحسابات الإقليمية.
التفاهم الذي وُقّع بعد جولات طويلة من الوساطات والضغوط المتبادلة لا يمكن قراءته بوصفه اتفاقاً تقنياً أو مرحلياً فحسب، بل باعتباره اعترافاً متبادلاً بحدود القوة وحدود القدرة على فرض الشروط. فالولايات المتحدة التي دخلت المفاوضات تحت سقف الضغوط القصوى، وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى طاولة التفاهم، فيما نجحت إيران في تثبيت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص أمن المنطقة ومستقبلها.
وفي قلب هذه التحولات، برز عامل أساسي لا يمكن تجاهله، وهو أن الوقائع الميدانية سبقت السياسة ومهّدت لها. فالمعارك والتطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، وما رافقها من استنزاف متبادل وتبدّل في موازين الردع، فرضت على الجميع إعادة النظر في الحسابات السابقة والانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق إدارة المصالح والتسويات.
أما لبنان، فيجد نفسه مجدداً أمام استحقاق دقيق. فالتفاهمات الكبرى غالباً ما تنعكس على الساحة اللبنانية سياسياً وأمنياً واقتصادياً، ما يفرض على القوى السياسية قراءة المتغيرات بعين الواقعية لا بعين الرهانات القديمة. فالعالم يتغير بسرعة، والتحالفات تعاد صياغتها، والتمسك بحسابات تجاوزها الزمن قد يكون أكثر كلفة من مواكبة التحولات الجارية.
وفي المقابل، يبدو أن بعض القوى في المنطقة لا تزال تتعامل مع المتغيرات بعقلية الإنكار، متجاهلة أن التفاهمات لا تُبنى على الأمنيات بل على موازين القوى والحقائق التي تفرضها الوقائع. فمن يقرأ المشهد بعين باردة يدرك أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها التفاوض من موقع القوة، لا الاستسلام، والتسويات المدروسة، لا المغامرات المفتوحة.
قد لا يكون الاتفاق نهاية الصراعات، لكنه بلا شك بداية مرحلة مختلفة. مرحلة ستُختبر فيها قدرة الأطراف كافة على تحويل التفاهمات إلى استقرار فعلي، وعلى ترجمة التوازنات الجديدة إلى فرص تنمية وأمن بدل العودة إلى دوامة المواجهات.
ويبقى الثابت أن الشرق الأوسط لا يُرسم على طاولات التفاوض وحدها، بل في الميدان أيضاً. ومن يملك القدرة على الصمود والتأثير وفرض الوقائع، هو من يحجز مكانه في أي خريطة جديدة تُرسم للمنطقة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :