كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيووز
في خضمّ المتسارع من التحولات الإقليمية، ومع كل إشارة جديدة إلى تفاهمات أميركية-إيرانية قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، يبدو أن فريقاً واسعاً من القوى اللبنانية، التي بنت خطابها السياسي على شعار "سحب سلاح حزب الله"، يدخل مرحلة من الارتباك غير المسبوق. لقد انتقل هذا الفريق من حالة اليقين بمحاصرة المقاومة إلى حالة من التيه السياسي، حيث وجد نفسه أمام مسار يختلف جذرياً عن السيناريوهات التي كان يحلم بها.
فبعدما اعتقد هؤلاء أن الضغوط الدولية والحرب الدائرة والتبدلات الإقليمية ستقود حتماً إلى تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في الداخل، وجدوا أنفسهم أمام واقع سياسي جديد، عنوانه التفاوض لا المواجهة، والتسويات الاستراتيجية لا الإملاءات الأحادية، والاعتراف بالوقائع الميدانية لا القفز فوقها. ومع تراجع الآمال المعلقة على متغيرات الخارج، بدأ بعض هؤلاء يرفعون سقف مواقفهم إلى مستويات قد تبدو أكثر تشدداً من مواقف العدو نفسه، وكأن المطلوب تعويض فشل الرهانات السياسية بمزيد من الخطاب التصعيدي، أو محاولة إبقاء القضية حية في الوعي العام رغم تبدل المعادلات.
لم يقتصر الأمر على تبدل المناخ الإقليمي فحسب، بل بدأت تصل إلى هذا الفريق رسائل سياسية متتالية أوحت بوضوح أن الأولويات الأميركية لم تعد كما كانت. مع تبلور مؤشرات التفاهم الأميركي-الإيراني، ولو بصورة تدريجية، يتكشف أن واشنطن تنظر إلى ملفات المنطقة من زاوية مختلفة، عنوانها إدارة المصالح الكبرى وتجنب الانفجارات الواسعة، لا خوض المعارك السياسية بالنيابة عن هذا الفريق أو ذاك في الداخل اللبناني. هنا تحديداً بدأت علامات القلق تظهر بوضوح؛ فالفريق الذي اعتاد الاستناد إلى الدعم الخارجي وجد نفسه أمام مشهد تتراجع فيه الشعارات لمصلحة الحسابات الاستراتيجية للدول.
ولعل أكثر الإشارات دلالة جاءت في سلسلة المواقف الصادرة عن مسؤولين أميركيين، والتي حملت لغة مختلفة عما كان يتوقعه أصحاب الرهانات السابقة. وبلغت هذه الإشارات ذروتها مع التصريحات اللافتة التي أدلى بها السفير الأميركي من بكركي، والتي قرأها كثيرون كرسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن تتحرك وفق مصالحها وحساباتها الإقليمية الأوسع، لا وفق السقوف التي رفعها بعض حلفائها في الداخل. وتشير أوساط سياسية متعددة إلى أن هذا الفريق يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحله ارتباكاً منذ سنوات، حيث لم تعد حالة الإحباط مجرد انطباع لدى الخصوم، بل باتت تُقرأ في الأداء السياسي اليومي، وفي التراجع الملحوظ للخطاب الذي كان يملأ الشاشات والمنابر.
ما يزيد من حدة هذا الإحباط أن الدولة التي لطالما اعتُبرت الحليف الأول لإسرائيل والراعي الأبرز للسياسات الغربية في المنطقة، باتت تتعامل مع الوقائع المستجدة بمنطق المصالح والتسويات الكبرى، لا بمنطق الشعارات والرغبات. فالدول الكبرى لا تدير سياساتها بالعواطف، بل بحسابات المصالح وموازين القوى. وخلال الأشهر الأخيرة، لم يترك هذا الفريق وسيلة سياسية أو إعلامية أو دبلوماسية إلا واستخدمها في معركته المفتوحة ضد المقاومة، وشهد الرأي العام مواقف تصعيدية تجاوزت أحياناً حدود الخصومة السياسية التقليدية، مما أثار استغراب شرائح واسعة من اللبنانيين لما حملته من لغة حادة افتقرت إلى الحد الأدنى من الحس الوطني.
أما الصفعة السياسية الأشد وقعاَ، فتتمثل في المقارنة التي باتت تتردد في المجالس الخاصة بين أداء محور المقاومة وأداء من يطلقون على أنفسهم صفة "السياديين". فبينما أظهرت التطورات الأخيرة أن طهران وحلفاءها يتعاملون مع حلفائهم بوصفهم جزءاً من معادلة استراتيجية واحدة لا تخضع لمنطق المقايضة، بدا الفريق الآخر عاجزاً حتى عن انتزاع موقف سياسي واحد ينسجم مع السقوف التي رفعها على مدى سنوات. وتقول مصادر متابعة إن أكثر ما أثار القلق داخل هذا الفريق هو القناعة المتنامية بأن إيران لم تتعامل مع الملف اللبناني باعتباره ورقة تفاوضية يمكن التخلي عنها، بل أصرت في أكثر من محطة على أن يكون لبنان حاضراً في أي تفاهمات إقليمية، وأن تؤخذ تضحيات اللبنانيين ووقائع الميدان بعين الاعتبار.
في المقابل، وجد دعاة الرهان على الخارج أنفسهم أمام حقيقة قاسية؛ فبعد سنوات من التعويل على الدعم الأميركي والغربي، لم يتمكنوا من ترجمة هذا الرهان إلى مكسب سياسي ملموس. بل إن المشهد أخذ منحى أكثر إرباكاً مع تزايد الحديث عن قنوات تواصل غير مباشرة بين الجانب الأميركي وحزب الله، في إطار البحث عن مقاربات واقعية للتعامل مع الوقائع التي فرضتها الحرب وموازين القوى الجديدة.
هنا تكمن المفارقة الكبرى: فالفريق الذي بنى خطابه على أن المقاومة أصبحت معزولة، وأن الزمن يعمل ضدها، يجد نفسه اليوم أمام مشهد مختلف تماماً؛ تفاوض إقليمي يأخذ حضورها في الحسبان، وقوى دولية تتعامل مع الحقائق كما هي لا كما يتمنى البعض أن تكون، ورسائل ميدانية وسياسية وصلت إلى أعلى مستويات القرار الدولي، بعدما أثبتت الوقائع أن من يصنع التأثير على الأرض يفرض نفسه على طاولات التفاوض. لقد اكتشف هؤلاء متأخرين أن السياسة ليست أمنيات، وأن موازين القوى لا تُبنى على الخطابات، وأن من يصنع الوقائع على الأرض يفرض نفسه على خرائط المنطقة كما على طاولات التفاوض. أما الذين انتظروا أن يأتي الخارج لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في الداخل، فيبدون اليوم أمام لحظة مراجعة قاسية، قد تكون الأصعب منذ سنوات طويلة، في زمن التسويات الكبرى والتحولات العميقة التي تعيد رسم الشرق الأوسط من جديد.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :