لم يحدث أن امتلكت دولة ما تمتلكه إسرائيل اليوم من أدوات القوة.
جيش متفوق، ترسانة تكنولوجية هائلة، دعم سياسي وعسكري غربي غير مسبوق، وحضور واسع داخل مراكز القرار والإعلام والاقتصاد في العالم.
ومع ذلك، فإن إسرائيل تبدو اليوم أمام مأزق لم تستطع القوة العسكرية ولا النفوذ السياسي ولا المال أن يعالجه: خسارة الشعوب.
في الماضي كانت الحكومات الغربية تقف إلى جانب إسرائيل فيما تتردد الشعوب في إظهار مواقفها. أما اليوم فقد انعكست الصورة بصورة دراماتيكية؛ فما زالت بعض الحكومات تتمسك بتحالفاتها التقليدية، فيما تنزل الشعوب إلى الشوارع رافعة الأعلام الفلسطينية من واشنطن إلى لندن، ومن باريس إلى مدريد، ومن سيدني إلى جوهانسبورغ.
إن أخطر ما تواجهه إسرائيل ليس الصاروخ ولا البندقية ولا العقوبات المحتملة، بل انهيار الرواية التي بنت عليها شرعيتها السياسية والأخلاقية طوال عقود.
فالروايات لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء، إلى أن يأتي يوم تصبح فيه عاجزة عن إقناع الناس بما كانت تقنعهم به في السابق.
هذا ما يحدث اليوم.
في الجامعات الأميركية، حيث تُصنع النخب التي ستحكم الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة، لم يعد النقاش يدور حول حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بل حول حدود القوة، وحقوق الفلسطينيين، ومسؤولية المجتمع الدولي تجاه ما يجري.
وفي أوروبا، التي كانت لعقود الساحة الأكثر حساسية تجاه أي انتقاد لإسرائيل، باتت الساحات العامة تمتلئ بمئات آلاف المتظاهرين الذين لا يجمعهم دين واحد ولا قومية واحدة، بل يجمعهم شعور متنامٍ بأن ثمة ظلماً تاريخياً لم يعد بالإمكان تجاهله.
أما في الفضاء الرقمي، فقد انهار الاحتكار الإعلامي الذي حكم الرواية لعقود.
للمرة الأولى في التاريخ الحديث، لم تعد الشعوب تنتظر ما تقوله الحكومات لتبني مواقفها، بل أصبحت ترى بنفسها، وتحكم بنفسها، وتبني قناعاتها بعيداً عن غرف التحرير ومراكز النفوذ التقليدية.
هنا تكمن نقطة التحول الكبرى.
لقد انتصرت إسرائيل مراراً في معارك عسكرية، لكنها تجد نفسها اليوم أمام معركة مختلفة تماماً: معركة الوعي.
وفي معركة الوعي لا تكفي الطائرات ولا الدبابات ولا حاملات الطائرات.
التاريخ مليء بإمبراطوريات انتصرت في الميدان وخسرت في الذاكرة الإنسانية.
وفرنسا لم تغادر الجزائر بسبب هزيمة عسكرية شاملة، والولايات المتحدة لم تخرج من فيتنام بسبب معركة واحدة، وجنوب أفريقيا لم تسقط فيها سياسة الفصل العنصري بسبب تفوق خصومها العسكري.
ما غيّر المعادلات كان تحوّل الرأي العام العالمي، وانتقال الشعوب من موقع المتفرج إلى موقع الشريك في صناعة الضغط والتغيير.
ولهذا تبدو المظاهرات التي تملأ عواصم العالم اليوم أكثر أهمية مما يعتقد كثيرون.
فهي ليست مجرد احتجاجات موسمية، بل مؤشرات على تحوّل عميق في الوعي العالمي.
قد تستطيع إسرائيل تأجيل نتائج هذا التحول، وقد تنجح في احتواء بعض آثاره السياسية، لكنها لن تستطيع بسهولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
لأن الشعوب عندما تعيد كتابة قناعاتها، فإن التاريخ يبدأ فعلياً بتغيير اتجاهه.
وربما تكون هذه هي الحقيقة الأكثر إيلاماً لصناع القرار في تل أبيب: لقد نجحت إسرائيل طويلاً في كسب الحكومات، لكنها بدأت تخسر العالم.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :