خاص ايكون نيوز
مرّ نحو 150 يوماً على اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي بدأت فجر السبت 28 شباط/فبراير 2026 بضربات جوية واسعة استهدفت طهران ومواقع عسكرية ونووية إيرانية، فيما أطلقت واشنطن عليها اسم "الغضب الملحمي" وأطلقت عليها إسرائيل اسم "زئير الأسد". وبين موجات القصف ووقف إطلاق النار المتقطع ومذكرات التفاهم المُعلَّقة، لا تزال طهران، بحسب قراءات عدة، تُصرّ على أنها خرجت من هذه الأشهر الخمسة بقرار سيادي لم يُكسر، حتى وإن كانت التكلفة العسكرية والاقتصادية باهظة.
من الصدمة الأولى إلى حرب استنزاف ممتدة
لم تكن الضربة الأولى عابرة: فقد استهدفت منشآت رئاسية وأمنية في طهران، وطالت لاحقاً مواقع نووية وعسكرية في بوشهر وقشم والأهواز وبندر عباس، وسط تقارير إعلامية إيرانية رسمية تحدثت في الساعات الأولى عن مقتل المرشد الإيراني، قبل أن تُعلن الدولة حداداً استمر أربعين يوماً. وردّت إيران حينها بشنّ هجمات صاروخية ومسيّرة طالت إسرائيل وسوريا والأردن ودولاً خليجية عدة، بينها البحرين والإمارات والكويت وقطر، في مؤشر مبكر على أن طهران اختارت الرد الموسّع بدل الاستيعاب الصامت.
منذ ذلك الحين، مرّت المواجهة بدورات متتالية من التصعيد والتهدئة: وقف لإطلاق النار أُعلن في نيسان/أبريل، ثم مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران وُقّعت في مطلع تموز/يوليو لتثبيت الهدنة وتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن تُعلن إيران في منتصف الشهر نفسه تعليق التزاماتها بموجب تلك المذكرة، لتتسع الحرب من جديد وسط ضربات أميركية على مواقع ساحلية ودفاعات جوية إيرانية، وهجمات استهدفت السفن التجارية والقوات الأميركية في المنطقة.
صمود ميداني رغم كلفة الاستهداف المتكرر
اللافت في قراءة الأشهر الخمسة، بحسب متابعين للملف، هو أن الضربات الأميركية المتكررة - التي طالت بنى تحتية عسكرية ومطارات ومحطات قطار وجسوراً - لم تُترجم إلى انهيار للقدرة الإيرانية على الرد أو المناورة. فطهران واصلت التلويح بورقة مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط العالمية، عبر تجدد استهداف الناقلات فيه أكثر من مرة، في ما اعتُبر أخطر اختبار متكرر للتفاهمات المؤقتة مع واشنطن. كما واصلت وكالات الأنباء الإيرانية الرسمية توثيق موجات القصف دون أن تعلن، في غالب الأحيان، خسائر بشرية أو أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وهو خطاب يعكس حرص طهران على تظهير صورة الصمود لا الانهيار.
وفي المقابل، أشارت تقارير أميركية إلى أن قيادة القيادة المركزية الأميركية أوصت في مرحلة معينة بوقف الضربات على اعتبار أن الحملة "بلغت أقصى فعاليتها"، وهو ما قد يُقرأ من زاوية إيرانية كاعتراف ضمني بأن القصف المتواصل لم يعد يحقق أهدافه العسكرية بالوتيرة والفعالية المرجوّتين.
ثبات في القرار السياسي
على المستوى السياسي، لم تُقدّم طهران تنازلات جوهرية في جوهر الملف: فقد نفت في أكثر من مناسبة أنها من طلب استئناف المحادثات مع واشنطن، وربطت وقف هجماتها المضادة بوقف الضربات الأميركية أولاً، في محاولة لفرض منطق "التبادلية" بدل الإذعان لمنطق الإنذار الأحادي. كما أن تعليقها الالتزامات الواردة في مذكرة التفاهم، حين اعتبرت أن واشنطن لم تلتزم بمندرجاتها، عكس رغبة إيرانية في عدم تحويل التهدئة إلى استسلام تدريجي غير معلن.
هذا الثبات ترافق مع خطاب دبلوماسي إيراني حافظ على الحدّ الأدنى من قنوات التواصل دون الظهور بمظهر الطرف المستعجل للتسوية، في وقت وصفت فيه أطراف دولية - من الصين إلى الاتحاد الأوروبي - إعادة إشعال الحرب بأنها لا تخدم مصلحة أي طرف، ودعت إلى ضبط النفس.
الصورة الأوسع: كلفة اقتصادية وضغط ميداني لا يُنكران
مع ذلك، لا يمكن قراءة "الصمود" الإيراني بمعزل عن سياقه: فالحرب اندلعت أصلاً على خلفية تفاقم الانهيار الاقتصادي الداخلي وموجة احتجاجات 2025-2026، والحصار البحري الذي أعاد فرضه الجانب الأميركي أكثر من مرة يضغط مباشرة على الشريان النفطي الإيراني، فيما لا تزال العقوبات الأميركية على مبيعات النفط الإيراني سارية. كما أن تكرار الحديث عن "فرص جيدة" للتوصل إلى تفاهم، وعن مفاوضات لإعادة فتح مضيق هرمز وتعليق العمليات العسكرية، يشير إلى أن الطرفين، رغم لغة التصعيد، ما زالا يبحثان عن مخرج تفاوضي يوقف الاستنزاف المتبادل.
بعد 150 يوماً، تقدّم الرواية الإيرانية الرسمية نفسها كرواية صمود ميداني وثبات في القرار السيادي، رافضة منطق الإملاء الخارجي. لكن هذه القراءة تتقاطع، من زاوية أخرى، مع رواية أميركية-إسرائيلية مقابلة تعتبر أن حملة الضغط العسكري والاقتصادي المتواصلة هي التي دفعت طهران أصلاً إلى طاولة التفاوض وفرضت عليها التزامات لم تكن لتقبلها قبل الحرب. وبين الروايتين، يبقى المؤكد أن مسار الأشهر الخمسة الماضية لم يُنتج بعد تسوية نهائية مستقرة، وأن مصير الهدنة الحالية - كسابقاتها - مرهون بمدى التزام الطرفين بما يجري التفاوض عليه اليوم في الكواليس بين واشنطن وطهران.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :