أبابيل الليل... حين سقطت آخر أفضلية للعدو

 أبابيل الليل... حين سقطت آخر أفضلية للعدو

"من يملك الليل بإيمانه... يملك الميدان بحقه"

 

 

 

 

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

في الحروب الحديثة، لا تُقاس التحولات الكبرى بعدد الصواريخ فحسب، بل باللحظة التي يفقد فيها أحد الأطراف ميزة كان يعتقد أنها عصيّة على الكسر. وما كشفت عنه المشاهد الأخيرة التي نشرها الإعلام الحربي للمقاومة الإسلامية لا يندرج في إطار التوثيق الميداني التقليدي، بل يُمثّل إعلانًا عمليًا عن دخول مرحلة جديدة من المواجهة، عنوانها: سقوط أفضلية الليل.

 

 عينٌ ساهرة في الظلام

 

فالمحلقات الانقضاضية من طراز "أبابيل"، المزوّدة بقدرات التصوير الحراري، لم تعد مجرد وسيلة هجومية تصيب هدفًا وتنسحب من المشهد، بل تحوّلت إلى عينٍ ساهرة في الظلام، ترصد وتتعقّب وتوثّق، ثم تضرب بدقة في الوقت والمكان المناسبين.

 

الصور التي أظهرت جنود الاحتلال يتحركون ليلًا كما لو أنهم تحت شمس الظهيرة، لم تكن مجرد مشاهد عسكرية مثيرة، بل رسالة استراتيجية عميقة مفادها أن الميدان تغيّر، وأن الظلام الذي طالما اعتبره العدو ملاذًا آمنًا لتحركاته، لم يعد يحجب عنه أعين المقاومة.

 

ولعلّ أكثر ما أثار الانتباه في تلك المشاهد، اللقطات الحرارية التي وثّقت قلعة الشقيف التاريخية ومحيطها بالكامل، كاشفةً بدقة تفاصيل الأرض وما يجري فوقها. إنها ليست مجرد صور، بل دليل على مستوى متقدم من الرصد والاستطلاع والسيطرة المعلوماتية، وهو عنصر لطالما اعتبرته الجيوش الحديثة أساس التفوق في المعركة.

 ليلهم ليس ليلنا

 

على مدى سنوات طويلة، بنى جيش الاحتلال جزءًا كبيرًا من عقيدته القتالية على الاستفادة من قدراته التقنية في العمل الليلي، معتمدًا على منظومات مراقبة واستشعار متطورة تمنحه هامش حركة أوسع بعد غروب الشمس. لكن المشهد يبدو مختلفًا اليوم. فحين يصبح الجندي مرئيًا أينما تحرك، وحين تتحول الدبابة أو الآلية أو موقع التموضع إلى نقطة مضيئة على شاشة الرصد الحراري، فإن ميزان الميدان يبدأ بالتبدل بصمت، ولكن بعمق.

 

وليس من قبيل المصادفة أن تتحدث وسائل إعلام العدو عن تحقيقات داخلية لفهم ظروف مقتل وإصابة عدد من الجنود خلال عمليات ليلية في جنوب لبنان. فالسؤال الذي يواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم يعد كيف تحمي جنودها نهارًا، بل كيف تحميهم في الليل أيضًا، بعدما فقدت إحدى أهم أوراقها التكتيكية.

 إيمانٌ يُضيء الظلام

 

لكن وراء كل تقنية وكل لقطة حرارية، ثمة روحٌ لا تُرى ولا تُصوّر؛ إنها الإيمان العميق الذي يحمله أبطال المقاومة، أولئك الذين لا يُقاتلون لأجل راتب أو رتبة، بل يُقاتلون لأجل أرضهم التي تُحتضنهم، ولأجل شعبهم الذي يعيش معهم الليل والنهار في تلك التلال والوديان. إنهم أبناء الأرض، يعرفون حجرها وترابها وظلالها كما يعرفون أنفاسهم، وعندما يُطلقون أبابيلهم في سماء الليل، فإنهم لا يُطلقون مجرد طائرات مسيّرة، بل يُطلقون أنفسهم وعقيدتهم وثقتهم بقضية عادلة.

 

هذا الإيمان الذي يجعلهم يقظين حين يغفل العدو، ويُبصرون حين يعتقد العدو أن الظلام حِجابه، هو ما يُميّز المعركة هنا. فالجندي المحتل يُحارب بعيدًا عن وطنه، يحمل في حقيبته أوامرًا وخريطة، أما بطل المقاومة فيحمل في قلبه أرضًا وذكرى وعهدًا؛ عهدًا قطعه على نفسه أن يُحرّر كل شبر من تراب وطنه، وأن يبقى مع أهله ليلًا ونهارًا، لا يُفارقهم ولا يُفارقونه.

 

إن هذه العقيدة القتالية التي تجمع بين التقنية المتقدمة والإيمان الراسخ هي ما يُحدث الفارق الحقيقي في الميدان. فالطائرة المسيّرة قد تُصنع في مصنع، لكن من يُطلقها هو مؤمنٌ يعرف لماذا يُطلقها، ومن يُوجّهها هو حارسٌ لأرضه يعرف كل تلّة وكل وادٍ فيها، ومن يُصيب الهدف هو بطلٌ يُقاتل ليُعيد الحق إلى أهله.

 

 

 فصلٌ جديد من فصول الصراع

 

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطوير لسلاح أو إضافة تقنية إلى ترسانة المقاومة، بل فصل جديد من فصول الصراع، عنوانه أن التكنولوجيا لم تعد حكرًا على طرف دون آخر، وأن معادلات الميدان لا تتوقف عن التغير.

 

لقد أرادت المقاومة من خلال هذه المشاهد أن تقول شيئًا واحدًا بوضوح: من يراقب الأرض ليلًا ونهارًا، ويملك القدرة على كشف الحركة وتحديد الهدف وإصابته، لا يدافع عن موقع فحسب، بل يرسم ملامح مرحلة جديدة في معركة الإرادات.

 

 حين يصبح الليل عدوّهم

 

في الحروب، ثمة لحظات لا تُقاس بعدد الأهداف التي أُصيبت، بل بما تزرعه في عقل الخصم من قلق وشك وخوف. والظاهر أن أبابيل الليل فعلت أكثر من مجرد تنفيذ عمليات ناجحة؛ لقد نجحت في زعزعة شعور كان راسخًا لدى جنود الاحتلال بأن الليل صديقهم. وحين يصبح الليل نفسه مصدر تهديد، تبدأ الحسابات بالتغير، ويصبح كل تحرك مغامرة، وكل ظلٍّ احتمالاً لكمين، وكل دقيقة انتظار عبئًا نفسيًا لا يقل خطورة عن نار المعركة نفسها.

 

أما أبطال المقاومة، فليس الليل عدوّهم، بل هو رفيق دربهم، يحملون في عيونهم نور الإيمان، وفي قلوبهم نور الأرض التي يُدافعون عنها، وفي أيديهم أبابيل الليل التي تُحوّل الظلام من حِجاب العدو إلى شاهدٍ على هزيمته.

 

 "نُقاتل لأجل أرضنا وأهلنا... ليلًا ونهارًا، حتى التحرير"

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي