"روبوتات الموتى" بالذكاء الاصطناعي أحدث هوس روحاني في عالم التكنولوجيا

من التلغراف إلى الذكاء الاصطناعي.. الابتكارات الكبرى تكشف نزعة بشرية لإضفاء طابع روحاني على التقنيات الجديدة

 

 

 

 

يؤكد عمالقة التكنولوجيا باستمرار أن الذكاء الاصطناعي هو أكثر التقنيات تطوراً في تاريخ البشرية، حتى إن الرئيس التنفيذي لشركة "جوجل" سوندار بيتشاي ذهب إلى حد وصف ظهوره بأنه "أكثر عمقاً" من اكتشاف النار أو اختراع الكهرباء. من جانبه، قال رائد الأعمال مارك أندريسن إن الذكاء الاصطناعي "ربما يكون أكثر التقنيات ثوريةً في تاريخ الجنس البشري".
 
قد يكون ذلك صحيحاً، لكن كثيراً من الناس ما زالوا يستخدمون هذه التقنية لإنتاج المواد الإباحية ومقاطع فيديو لقطط، وهي أمور لا يمكن اعتبارها إنجازات تغير العالم.
 
كما أن بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي تبدو بدائية بشكل لافت. فالروحانية، التي ارتبطت في السابق بالثقافات "البدائية" والعوالم الخارقة للطبيعة، اكتسبت حياة جديدة من خلال "روبوتات الموتى" التي تتيح للأحياء التواصل مع نسخ مقنعة من الأشخاص المتوفين.
 
وهذه ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها الحديث بالغامض. فقد أدى ظهور تقنيات غيرت العالم قبل نحو قرنين إلى استجابة مشابهة. ولنتأمل، على سبيل المثال، ما حدث عندما واجه البشر لأول مرة اختراعاً جديداً ومربكاً: التلغراف.
 
الربط بين التكنولوجيا والظواهر الخارقة
ظهرت الفكرة الأساسية لهذه الآلة في أوائل القرن التاسع عشر، عندما بدأ العلماء يفهمون خصائص الظواهر الكهرومغناطيسية. وفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر، بنى رجلان هما صمويل ف. ب. مورس وألفريد فايل نسخة عملية منها. وكانت تتكون من جهاز إرسال يعتمد على بطارية ترسل نبضات كهربائية عبر سلك.
 
وفي الطرف الآخر، كان جهاز الاستقبال يحتوي على إبرة مغناطيسية تتحرك استجابة لوجود التيار الكهربائي أو غيابه.
 
وعندما كان الشخص الذي يشغل جهاز الإرسال يغيّر مدة بقاء الدائرة الكهربائية مفتوحة، كان الشخص الموجود عند جهة الاستقبال قادراً على التمييز بين الإشارات الطويلة والقصيرة. وأصبح هذا النظام الثنائي أساس "النقاط" و"الشرطات" الشهيرة في شفرة مورس، حيث خُصص لكل حرف من حروف الأبجدية تسلسل مختلف من النقاط والشرطات. وبذلك توصل مورس وفايل إلى وسيلة تتيح التواصل الفوري عبر مسافات شاسعة.
 
كيف غيّر التلغراف نظرة الناس إلى العالم؟
قدم الرجلان عرضهما العام للتلغراف في عام 1844، وأرسلا رسالة مقتبسة من سفر العدد في الكتاب المقدس تقول: "ماذا صنع الله؟" بين بالتيمور وواشنطن.
 
خلال بضع سنوات، بدأت أسلاك التلغراف تربط أنحاء البلاد ببعضها. وأعرب السيناتور جون سي. كالهون، الذي لم يكن معروفاً بحساسيته العاطفية، عن دهشته من الطريقة التي "تمتد بها الأسلاك السحرية في جميع الاتجاهات عبر الأرض"، مشكّلة ما وصفه بـ"الشبكات الغامضة". وكان التلغراف، تماماً كما هو حال الذكاء الاصطناعي اليوم، يتحدى الوصف. وبدا أن لغة ما وراء الطبيعة وحدها قادرة على التعبير عنه.
قد يساعد ذلك في تفسير ما حدث لاحقاً. ففي عام 1848، أفادت شقيقتان صغيرتان هما كيت فوكس وماغي فوكس في شمال ولاية نيويورك بأنهما سمعتا أصوات طرق غريبة قالتا إنها صادرة عن روح رجل قُتل ودُفن في قبو منزلهما على يد مالك سابق للمنزل. وكانت الفتاتان، البالغتان من العمر 11 و14 عاماً، مقتنعتين بأن تلك الأصوات الغامضة لم تكن عشوائية، بل إن الرجل كان يحاول إخبارهما بشيء ما. وهكذا بدأت المحادثات.
 
صعود الروحانية والتواصل مع الموتى
سرعان ما ادعت الأختان فوكس أنهما تنقلان رسائل أرواح متوفين آخرين، كما فعل عدد متزايد من الأشخاص الآخرين، ومعظمهم من النساء، اللواتي قيل إنهن امتلكن القدرة نفسها على "التواصل مع الأرواح عبر أصوات الطرق". وما كُشف عنه بعد عقود باعتباره خدعة تحول سريعاً إلى حركة جماهيرية اجتاحت البلاد ثم امتدت إلى العالم الناطق بالإنجليزية.
 
واقتنع ملايين الأميركيين بأنهم قادرون على التحدث مع الموتى، وأصبحت جلسات تحضير الأرواح جزءاً من الثقافة السائدة. وقد عبّر أندرو جاكسون ديفيس، الذي يُعد على الأرجح أهم مروج للروحانية في الولايات المتحدة، عن ذلك بوضوح في عام 1850. إذ أوضح أن التحدث إلى الموتى "ليس أكثر تعقيداً أو إدهاشاً" من الطريقة التي ترسل بها أجهزة التلغراف الرسائل عبر الأسلاك.
 
كما كرر روحاني بارز آخر يُدعى أبولوس مون الفكرة نفسها، مشيراً صراحة إلى وجود "تشابه بين طريقة التواصل بين العالمين الروحي والطبيعي عبر الطرقات الكهربائية، وطريقة التواصل بين الأماكن البعيدة بواسطة التلغراف المغناطيسي". ووفق هذا الفهم، كان التواصل مع الأرواح عبر أصوات الطرق يماثل شفرة مورس في التلغراف، إذ "يقابل حروف الأبجدية".
 
من "تلغراف السماء" إلى الذكاء الاصطناعي
استندت هذه المقارنة إلى منظومة كاملة من التفسيرات الميتافيزيقية التي شبّهت التلغراف المغناطيسي، القادر على تجاوز الزمان والمكان، بـ"تلغراف السماء" الذي يوحد بين الأحياء والأموات. وحتى أول صحيفة للحركة، والتي حملت اسم "التلغراف الروحي"، جاءت تكريماً لهذه الصلة.
 
وعندما حاول ديفيس تفسير هوية المتوفى المسؤول عن توحيد العالمين، زعم أن روح بنجامين فرانكلين، الذي ينسب إليه كثيرون فضل اكتشاف الكهرباء، كانت الطرف الأساسي في ذلك. وسرعان ما أصبح فرانكلين ضيفاً دائماً في جلسات تحضير الأرواح، يتحدث إلى الأميركيين الراغبين في الاستماع إلى حكمته. كما جرى استحضار أحد الآباء المؤسسين الآخرين، جورج واشنطن، من العالم الآخر أيضاً.
قد يبدو كل ذلك وكأنه حركة هامشية، لكنه اجتذب ملايين الأتباع من أبناء الطبقتين الوسطى والعليا. ومن اللافت أن كثيراً من مهندسي الكهرباء الذين أمضوا حياتهم المهنية في مجال التلغراف كانوا يملكون اهتماماً شخصياً عميقاً بالروحانية، ومن بينهم كرومويل فارلي، الذي ساعد في بناء كابل التلغراف العابر للمحيط الأطلسي وحضر جلسات لتحضير الأرواح أدارتها إحدى الأختين فوكس.
 
التكنولوجيا الحديثة والمعتقدات القديمة
أثارت تقنيات أخرى بدت سحرية للوهلة الأولى ردود فعل مشابهة. فقد أدى اختراع التصوير الفوتوغرافي إلى ظهور حركة سعت إلى التقاط "الأشباح" على الأفلام، بينما أشعل ظهور الهاتف موجة روحانية جديدة. أما النسخة الحديثة من هذه الظاهرة، والمدفوعة بالذكاء الاصطناعي، فهي الامتداد المباشر لهذا التقليد.
 
ولا ينبغي أن يفاجئنا استمرار التقنيات المتقدمة في إحياء ممارسات شبيهة بـ"الشامانية" تتوافق أكثر مع مجتمعات ما قبل الحداثة. فعلى الرغم من براعتنا في صنع الآلات، أراهن أن كثيرين منا يفضلون سراً متعة السحر والافتتان على الطمأنينة الباردة التي توفرها التكنولوجيا الحديثة. وهذا ما يجعلنا بشراً، ومختلفين تماماً عن الذكاء الاصطناعي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي