ICON NEWS
لم يكن اجتماع البنتاغون تفصيلاً بروتوكولياً في مسار طويل من الوساطات الأميركية بين لبنان وإسرائيل. فاختيار المكان يقول الكثير قبل أن تبدأ التسريبات: حين ينتقل النقاش من قاعات السياسة إلى مبنى وزارة الدفاع الأميركية، فهذا يعني أن الملف لم يعد محصوراً بوقف نار هش، بل دخل مرحلة رسم الترتيبات الأمنية على الأرض.
جبهة الجنوب لم تعد تُدار فقط بسؤال: متى تتوقف الضربات؟ بل بسؤال أخطر: ماذا يأتي بعد توقفها؟
من ينتشر؟ من ينسحب؟ من يراقب؟ وأي ضمانات يمكن أن تمنع عودة النار؟
في الظاهر، جلست بيروت وتل أبيب على طاولة أمنية بوساطة أميركية. أما في العمق، فكانت واشنطن تحاول نقل الجبهة من منطق الاشتباك المفتوح إلى منطق الخرائط: حدود حركة الجيش اللبناني، نقاط الوجود الإسرائيلي، آليات المراقبة، ومصير المناطق التي تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مساحة رمادية بين السيادة اللبنانية والحسابات الإسرائيلية.
لكن العقدة الكبرى بقيت في مكانها.
لبنان يريد وقفاً شاملاً للنار، انسحاباً إسرائيلياً، وتثبيت حضور الجيش في الجنوب. إسرائيل تريد ما هو أبعد من وقف النار: ضمانات أمنية تمنع حزب الله من إعادة بناء مواقعه وقدراته قرب الحدود. وبين المطلبين، تظهر المسافة الصعبة التي لم تستطع أي وساطة حتى الآن ردمها: كيف يمكن إنتاج أمن حدودي من دون اتفاق لبناني داخلي على معنى السيادة؟ وكيف يمكن إقناع إسرائيل بأن السيطرة والضربات لا تصنعان أمناً دائماً؟
هنا تحديداً يظهر جوهر ما يجري. واشنطن لا تبحث فقط عن وقف نار، بل عن هندسة جديدة للجنوب: خرائط انتشار، خطوط انسحاب، لجان مراقبة، قواعد اشتباك، وضمانات أمنية مكتوبة أو مفهومة. أي أنها تريد تحويل الجبهة من مساحة مقاومة وردع إلى ملف أمني قابل للضبط، ومن حدود مشتعلة إلى جدول أعمال داخل غرفة مغلقة.
لكن ما يُرسم على الطاولة ليس بالضرورة ما يثبته الميدان. فالجنوب ليس مساحة فارغة تنتظر توقيعاً أميركياً، ولا قرية حدودية يمكن نقلها من خانة إلى أخرى على خريطة عسكرية. هناك أرض عاشت الاحتلال، وذاكرة دفعت أثماناً باهظة، وناس يعرفون أن الأمن لا يُقاس فقط بعدد نقاط المراقبة، بل بمنع العدو من تحويل القرى إلى رهائن دائمة.
لذلك، تبدو محادثات البنتاغون كأنها محاولة لإنتاج واقع جديد فوق واقع لم يُحسم بعد. الأميركي يريد ترتيبات. الإسرائيلي يريد ضمانات. اللبناني الرسمي يريد وقف النار والانسحاب. أما الجنوب، فيسأل سؤالاً أبسط وأقسى: من يضمن ألا يعود العدو غداً، إذا سلّمنا اليوم بأن أمنه أهم من سيادتنا؟
من هنا، تصبح العبارة الأصدق لوصف اللحظة: **لهم مفاوضاتهم، ولنا ميداننا**.
لهم الغرف المغلقة والخرائط واللغة الباردة التي تتحدث عن “ترتيبات أمنية” و“آليات مراقبة” و“خفض التصعيد”. ولنا الأرض التي تُقصف، والقرى التي تُهدد، والحدود التي لا تعرف الهدوء إلا حين يفهم العدو أن كلفة العدوان أعلى من جدواه.
لهم أن يفاوضوا على شكل الجنوب من فوق الطاولة، لكن الميدان هو الذي يحدد معنى الجنوب على الأرض. فكل اتفاق لا يرى الناس، ولا يحفظ السيادة، ولا يردع إسرائيل عن العودة إلى النار، سيبقى حبراً مؤجلاً على ورق مرتب. أما الجنوب، فقد تعلّم عبر تاريخه الطويل أن الخرائط لا تحمي وحدها، وأن ما لا يسنده ميزان قوة واضح يبقى وعداً قابلاً للكسر.
لذلك، ليس اجتماع البنتاغون نهاية مرحلة، بل بداية اختبار. هل تستطيع واشنطن تحويل جبهة الجنوب إلى ملف مضبوط وفق حساباتها؟ أم أن الجنوب سيذكّر الجميع، مرة أخرى، بأن التفاوض شيء، والقدرة على فرض الوقائع شيء آخر؟
في الختام لهم مفاوضاتهم، ولنا ميداننا؛ لأن الجنوب ليس جغرافيا صامتة على خريطة، بل أرض تقاتل مع أبنائها، وتحفظ أسماءهم كما تحفظ حدودها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :