وليد جنبلاط في حوار مع “ليبراسيون”: تشاؤم رجل يقرأ خرائط النار ويحذّر من تفكك المنطقة

 وليد جنبلاط في حوار مع “ليبراسيون”: تشاؤم رجل يقرأ خرائط النار ويحذّر من تفكك المنطقة

 

 

 

 

ايكون نيوز

في حوار مع صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، بدا وليد جنبلاط كما يعرفه اللبنانيون: سياسيا لا يطمئن بسهولة، وقارئا قلقا لتحولات المنطقة، وزعيما يحمل في ذاكرته أثقال الحروب، وانكسارات الدول، وخطورة اللعب بالهويات الصغيرة حين تكبر مشاريع التفتيت.

قالها جنبلاط بوضوح: إنه متشائم بالكامل. لم يأتِ تشاؤمه من مزاج عابر، بل من قراءة طويلة لمسار الشرق الأوسط، حيث تتراجع فكرة الدولة الجامعة، وتتقدم في المقابل نزعات الانفصال والتقسيم، وتتحول الأقليات والطوائف والجماعات إلى أوراق في صراعات إقليمية ودولية أكبر منها.

في نظر جنبلاط، لا يقتصر الخطر على أزمة سياسية هنا أو حرب هناك، بل يتصل بمشروع أعمق يهدد بنية المنطقة نفسها. فحين تضعف الدول، وتنهار المؤسسات، وتُترك المجتمعات أمام خوفها، تبدأ الهويات الضيقة بالصعود، ويصبح التقسيم أمرا قابلا للتسويق تحت عناوين الحماية، والخصوصية، والأمن الذاتي.

ومن هنا جاء تحذيره من تنامي النفوذ الانفصالي والتقسيمي. فالرجل الذي خبر تاريخ لبنان والمنطقة يدرك أن التقسيم لا يبدأ دائما بإعلان حدود جديدة، بل يبدأ حين تفقد الجماعات ثقتها بالدولة، وحين يُقنع الخارج بعض المكونات بأن خلاصها لا يكون في العيش المشترك، بل في الانعزال عنه.

يرى جنبلاط أن ما يجري في المنطقة ليس منفصلا عن سياق أوسع: سوريا التي خرجت من حرب طويلة منهكة وممزقة، العراق الذي عاش تجربة الانقسام العميق، لبنان المثقل بأزماته، وفلسطين التي ما زالت جرحا مفتوحا في وجدان المنطقة. وفي خلفية كل ذلك، ثمة قوى تحاول إعادة رسم النفوذ والخرائط، لا على أساس المواطنة، بل على أساس الهويات والخوف المتبادل.

وفي حديثه، يظهر جنبلاط حريصا على التمييز بين حماية المكونات وبين استخدامها. فالحماية الحقيقية، بالنسبة إليه، لا تكون عبر تحويل الطوائف إلى جزر منعزلة أو أدوات في مشاريع خارجية، بل عبر تثبيت الدولة، واحترام التعدد، ومنع استدراج المجتمعات إلى صراعات لا تخدم مستقبلها.

هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة حين يصدر عن زعيم درزي لبناني لطالما تابع أوضاع الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين، وحذّر من محاولات عزلهم عن محيطهم العربي أو استخدامهم في مشاريع لا تشبه تاريخهم الوطني. فجنبلاط ينظر إلى الدروز كجزء من نسيج المنطقة، لا ككيان منفصل عنها، ويرى أن أي محاولة لدفعهم نحو الاصطفاف خارج محيطهم الطبيعي تحمل خطرا عليهم وعلى المنطقة معا.

وفي جوهر كلامه، تبدو الرسالة أبعد من الطائفة وأوسع من لبنان. إنها دعوة إلى الحذر من زمن تتراجع فيه السياسة لمصلحة الغرائز، وتتراجع الدولة لمصلحة العصبيات، ويتحول الخوف إلى مادة لصناعة الكيانات الصغيرة. فحين يصبح كل مكون مشروعا قائما بذاته، تضيع فكرة الوطن، وتصبح الخرائط مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.

جنبلاط لا يقدّم في حواره تفاؤلا مجانيا، ولا يرسم صورة وردية لمستقبل قريب. لكنه، في تشاؤمه، يطلق إنذارا سياسيا مبكرا: المنطقة لا تحتمل مزيدا من التفكك، ولبنان لا يستطيع أن يعيش على حافة الانقسام الدائم، وسوريا لا يمكن أن تستقر إذا تحولت مكوناتها إلى مشاريع متقابلة، والشرق الأوسط لن يربح شيئا إذا انتصر منطق التقسيم على منطق الدولة.

بهذا المعنى، لا يبدو وليد جنبلاط في حواره مجرد زعيم يعلّق على الأحداث، بل شاهد على زمن كامل. رجل يعرف أن الحروب لا تبدأ فقط بالرصاص، بل تبدأ أحيانا بفكرة، بخطاب، بخوف، أو بوهم حماية يتحول لاحقا إلى عزلة.

والخلاصة التي يتركها الحوار أن الخطر الأكبر في المنطقة اليوم ليس فقط في المواجهات العسكرية، بل في تفكك المعنى الوطني نفسه. فإذا لم تستعد الدولة دورها، وإذا لم يُحمَ العيش المشترك من مشاريع العزل والتقسيم، فإن التشاؤم الذي عبّر عنه جنبلاط قد لا يبقى موقفا سياسيا، بل يصبح قراءة قاسية لمستقبل يقترب.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي