كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
في اللحظات التي كان فيها الجنوب اللبناني يشتعل تحت النار، وكانت الطائرات الإسرائيلية توسّع دائرة القصف والدمار والقتل، لم تكن كل العواصم تتحرك بالاتجاه نفسه. بعض العواصم كانت تبحث عن كيفية تثبيت وقف إطلاق نار شامل يحمي لبنان ويمنع انزلاق المنطقة إلى انفجار أكبر، فيما كانت أطراف لبنانية أخرى لا تزال تتعامل مع المشهد بعقلية الاستثمار السياسي وتقديم أوراق الاعتماد للمشروع الأميركي في المنطقة.
بعيداً عن الضجيج الإعلامي، تكشف المعطيات الدبلوماسية والسياسية أن إيران وضعت خلال الأسابيع الماضية كل ثقلها السياسي والأمني من أجل تثبيت وقف إطلاق نار فعلي لا يشبه الهدن الهشة السابقة، بل يضمن منع تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للابتزاز العسكري والسياسي الإسرائيلي.
طهران، التي تدرك أن أي انفجار شامل في لبنان سيعيد خلط خرائط المنطقة بأكملها، تعاملت مع الملف من زاوية استراتيجية تتجاوز الحسابات الإعلامية والشعارات، ولذلك كثّفت اتصالاتها وتحركاتها السياسية في أكثر من اتجاه إقليمي ودولي، بالتوازي مع رسائل ميدانية واضحة تؤكد أن استمرار العدوان لن يبقى بلا سقوف أو تداعيات.
وفي هذا السياق، تكشف معلومات خاصة أن الوفد الإيراني الذي شارك في المفاوضات الجارية في إسلام آباد ضمّ أيضاً شخصيات وقيادات مرتبطة بحزب الله، في خطوة تعكس حجم التنسيق المباشر داخل محور المقاومة حول مستقبل المواجهة وحدود التسويات الممكنة في المرحلة المقبلة.
هذه المشاركة لم تكن تفصيلاً بروتوكولياً، بل مؤشراً سياسياً وأمنياً بالغ الدلالة، يؤكد أن الملف اللبناني كان حاضراً بقوة على طاولة النقاشات، وأن أي ترتيبات إقليمية مرتبطة بوقف النار أو بمستقبل المواجهة لا يمكن أن تتم بمعزل عن القوى الفعلية الموجودة على الأرض.
وفي المقابل، تكشف المقارنة بين مسار المفاوضات في إسلام آباد وما يجري في واشنطن حجم الفارق بين من يفاوض انطلاقاً من عناصر قوة وحسابات سيادية، وبين من يدخل إلى الطاولة بلا أوراق فعلية سوى محاولة استرضاء الأميركي وتقديم إشارات الطاعة السياسية المطلوبة.
ففي إسلام آباد، بدا واضحاً أن المفاوض الإيراني يتحرك من موقع الشريك الإقليمي الذي يمتلك أدوات ضغط ميدانية وسياسية، ويجلس إلى الطاولة مدعوماً بمعادلات قوة صنعتها سنوات من المواجهة والتوازنات المعقدة في المنطقة. لم تكن طهران تفاوض من موقع الباحث عن رضا أحد، بل من موقع من يدرك أن خصومه مضطرون لأخذ مصالحه وحلفائه بعين الاعتبار مهما بلغت الضغوط.
أما في واشنطن، فالصورة مختلفة تماماً. هناك وفد لبناني يتحرك داخل مساحة ضيقة للغاية، بلا أوراق قوة حقيقية، وبلا رؤية سيادية واضحة لما يريده لبنان فعلياً من هذه المفاوضات. والأسوأ أن الخطاب الصادر عن بعض المشاركين يوحي وكأن المطلوب ليس الدفاع عن مصالح لبنان أو حماية حقوقه، بل تنفيذ ما يُطلب منهم تحت عنوان “الواقعية السياسية” أو “تفادي التصعيد”.
وهنا تكمن خطورة المشهد: حين يتحول التفاوض من وسيلة لحماية السيادة إلى مجرد آلية لتسويق الإملاءات الأميركية وتدوير الزوايا أمام الشروط الإسرائيلية. فالمفاوضات لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بالصور البروتوكولية، بل بما يملكه كل طرف من عناصر قوة وقدرته على فرض احترام مصالحه الوطنية.
ولذلك، بينما كانت طاولات إسلام آباد تبحث في كيفية تثبيت توازنات تمنع الانفجار وتحمي موقع حلفاء المنطقة، بدت بعض الطروحات الخارجة من واشنطن أقرب إلى محاولة إدارة مرحلة ما بعد الضغط الأميركي، لا إلى صناعة موقف لبناني مستقل يمتلك الحد الأدنى من الندية السياسية.
في المقابل، بدا المشهد داخل لبنان أكثر انقساماً من أي وقت مضى. فبينما كانت طهران تتحرك لتثبيت معادلات تمنع سقوط لبنان بالكامل تحت النار، خرجت أصوات سياسية وإعلامية لبنانية لتكرّر السردية الأميركية نفسها، متجاهلة المجازر والاعتداءات الإسرائيلية اليومية، أو متعامية عنها، وكأن المطلوب من اللبناني أن يخوض معركة إدانة للمقاومة قبل إدانة من يقصف القرى ويقتل المدنيين.
الأخطر أن بعض هذه الأصوات لم تعد تخفي رهاناتها على الضغط الأميركي والإسرائيلي لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية في لبنان، حتى ولو جاء ذلك فوق الركام والدم والخراب. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة: حين يتحول جزء من الخطاب اللبناني إلى ما يشبه “التقارير السياسية” المرفوعة إلى واشنطن أكثر مما هو تعبير عن مصلحة وطنية لبنانية.
المفارقة القاسية أن الذين يرفعون اليوم شعارات “السيادة” و”حماية لبنان” هم أنفسهم الذين يلتزمون صمتاً بارداً أمام مشاهد الدمار والمجازر، أو يحاولون تبريرها تحت عناوين سياسية مختلفة، فيما تُظهر الوقائع أن القوى التي وُضعت في خانة “المشكلة” هي نفسها التي تتحرك فعلياً لمنع انهيار لبنان الكامل أو فرض شروط استسلام عليه.
ما يجري اليوم يتجاوز مجرد خلاف سياسي داخلي. نحن أمام صراع حقيقي على هوية لبنان وموقعه ودوره في المنطقة. بين من يريد لبنان جزءاً من محور يُدار من واشنطن وتل أبيب، ومن يرى أن حماية البلد تبدأ بمنع تحويله إلى ساحة مستباحة للعدو مهما بلغت الضغوط والتضحيات.
وفي السياسة، كما في الحروب، لا يحترم العالم من يذهب إلى الطاولة خائفاً أو مجرداً من أوراقه، بل من يعرف كيف يحوّل عناصر القوة التي يملكها إلى موقع تفاوضي يحمي بلده لا أن يضعه تحت الوصاية المقنّعة.
وفي زمن التحولات الكبرى، تبدو الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: بينما كانت طهران تبحث عن وقف النار… كان البعض في لبنان لا يزال يكتب تقاريره لواشنطن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :