حين تنقلب الرواية: تآكل الشرعية الأخلاقية لـ"إسرائيل" في الغرب

حين تنقلب الرواية: تآكل الشرعية الأخلاقية لـ

 

 

 

 

لم تعد أزمة "إسرائيل" في الغرب أزمة صورة إعلامية يمكن احتواؤها عبر حملات العلاقات العامة، ولا أزمة تكتيكية مرتبطة بحكومة يمينية متطرفة يمكن استبدالها بائتلاف أكثر "اعتدالًا". ما يجري اليوم أعمق من ذلك بكثير؛ إنه انهيار تدريجي للسردية المؤسسة التي قامت عليها العلاقة بين الغرب و"إسرائيل" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالمشكلة لم تعد في "سوء إدارة الحرب" أو "الإفراط في استخدام القوة"، بل في انكشاف البنية الفكرية والأخلاقية التي منحت "إسرائيل"، لعقود طويلة، حصانة استثنائية فوق القانون وفوق النقد.

 
لحظة انهيار الأسطورة "الإسرائيلية"
 
لقد بدا الغرب، طوال النصف الثاني من القرن العشرين، وكأنه يروي قصة واحدة فقط عن "إسرائيل": "دولة صغيرة محاصرة بالأعداء، نجت من المحرقة، وتحمل قيم الديمقراطية الغربية وسط بحر من التوحش". كانت تلك الرواية تُقدَّم باعتبارها حقيقة مكتملة، لا تقبل التفكيك أو المراجعة. لكن ما حدث في غزة، وما سبقه في الضفة الغربية والقدس ولبنان، أدى إلى تصدع عميق في هذه الصورة، حتى داخل المجتمعات الغربية ذاتها.
 
المشهد لم يعد كما كان. فالأجيال الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد تنظر إلى "إسرائيل" بوصفها "داود" الضعيف في مواجهة "جالوت" العربي، بل باعتبارها القوة العسكرية الساحقة التي تمتلك أحدث الأسلحة، وتحظى بحماية سياسية غير مسبوقة، وتستخدم هذه القوة بلا حدود تقريبًا. وهنا بالتحديد وقع الانقلاب الأخطر: انقلاب الرواية.
 
حين خسرت "إسرائيل" معركة الصورة والوعي العالمي
 
لقد أدركت "إسرائيل" متأخرة أن قوتها العسكرية الهائلة لا تستطيع وحدها حماية شرعيتها الأخلاقية. فالدبابات تستطيع احتلال المدن، والطائرات تستطيع تدمير الأبنية، لكن لا شيء من ذلك قادر على السيطرة على الوعي العالمي في عصر البث المباشر والهواتف الذكية. ولأول مرة منذ عقود، بدأت الرواية "الإسرائيلية" تخسر المعركة داخل الفضاء الغربي نفسه.
 
في السابق، كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى في الغرب تعمل، بدرجات متفاوتة، ضمن سقف سياسي وثقافي يحمي "إسرائيل" من النقد الجذري. أما اليوم، فقد بدأت الشروخ تظهر داخل هذه المؤسسات نفسها. صحفيون في شبكات كبرى اعترضوا علنًا على التغطيات المنحازة، وخرج موظفون في مؤسسات إعلامية غربية للتنديد بالمعايير المزدوجة التي تتعامل بها إداراتهم مع الدم الفلسطيني. ولم يعد ممكنًا إخفاء حجم المجازر تحت عناوين فضفاضة من نوع "الاشتباكات" أو "الأضرار الجانبية".
 
غزة تكشف التناقض الأخلاقي للغرب
 
التحول الأكثر خطورة بالنسبة لـ"إسرائيل" لا يكمن فقط في تراجع التعاطف الشعبي معها، بل في انهيار احتكارها للمعنى. فطوال عقود، كانت الآلة السياسية والثقافية الغربية تنتج صورة الفلسطيني باعتباره "الإرهابي" أو "المشكلة الدائمة"، بينما يُقدَّم "الإسرائيلي" باعتباره ضحية أبدية. لكن هذه الثنائية بدأت تتفكك أمام مشاهد الأطفال تحت الأنقاض، والمجاعة، واستهداف المستشفيات، والحصار الجماعي.
 
لقد لعبت التكنولوجيا هنا دورًا حاسمًا. فمعركة الوعي لم تعد تُخاض فقط عبر الصحف الكبرى وشبكات التلفزة التقليدية، بل عبر الهواتف المحمولة ومنصات التواصل والبث الحي. أي إن "إسرائيل" خسرت لأول مرة احتكار الصورة. وما كان يمكن حجبه سابقًا داخل غرف التحرير، أصبح ينتشر فورًا أمام مئات الملايين حول العالم.
 
لكن المسألة لا تتعلق بالإعلام وحده، بل بتغيرات أعمق داخل البنية الغربية نفسها. فالأجيال الجديدة في الجامعات الأميركية والأوروبية لم تعد تنظر إلى العالم بالمنطق الكولونيالي القديم ذاته. هناك حساسية متزايدة تجاه قضايا العنصرية والاستعمار والتمييز البنيوي، وهو ما جعل قطاعات واسعة من الشباب ترى في التجربة الفلسطينية امتدادًا لنماذج الاضطهاد الاستعماري التي يفترض أن الغرب تجاوزها أخلاقيًا.
 
ولهذا لم تعد القضية الفلسطينية، في الوعي الغربي الجديد، مجرد "نزاع حدودي" بعيد، بل تحولت إلى اختبار أخلاقي داخلي يمس القيم التي يدّعي الغرب الدفاع عنها: حقوق الإنسان، حرية التعبير، والمساواة أمام القانون. ومن هنا تحديدًا بدأت الأزمة الحقيقية.
 
تصدع الإجماع الغربي: "إسرائيل" لم تعد فوق النقد
 
فالأنظمة الغربية التي طالما قدّمت نفسها بوصفها حامية للحريات، وجدت نفسها في مواجهة تناقض أخلاقي فاضح. فهي تدافع عن أوكرانيا باسم القانون الدولي، لكنها تبرر تدمير غزة باسم "حق الدفاع عن النفس". وهي تفرض عقوبات على دول بسبب انتهاكات حقوقية، لكنها تمنح "إسرائيل" حماية سياسية وعسكرية مفتوحة رغم الاتهامات الدولية المتصاعدة.
 
هذا التناقض أدى إلى تآكل مصداقية الغرب نفسه، وليس "إسرائيل" فقط. ولهذا بدأت قطاعات متزايدة داخل المجتمعات الغربية تنظر إلى الدعم غير المشروط لـ"إسرائيل" باعتباره تعبيرًا عن أزمة أخلاقية في النظام الدولي بأسره.
 
كيف تكشف الاستطلاعات سقوط السردية "الإسرائيلية" في الغرب؟
 
لم يعد التحول في المزاج الغربي تجاه "إسرائيل" مجرد انطباعات إعلامية أو احتجاجات جامعية هامشية، بل أصبح حقيقة رقمية موثقة بأرقام صادمة صادرة عن أكبر مراكز الأبحاث والاستطلاع في الولايات المتحدة. فخلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، شهدت صورة "إسرائيل" داخل المجتمع الأميركي انهيارًا متسارعًا وغير مسبوق، خصوصًا بين الأجيال الشابة والتيارات الليبرالية. ووفقًا لبيانات مركز “Pew Research Center”، ارتفعت نسبة الأميركيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه "إسرائيل" إلى نحو 60%، بعدما كانت بحدود 53% فقط قبل سنوات قليلة، في تحول يعكس انهيارًا تدريجيًا في الرواية التقليدية التي قدمت "إسرائيل" بوصفها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط". أما داخل الحزب الديمقراطي، فقد بلغت الأزمة مستوى أكثر خطورة، إذ أظهرت الاستطلاعات أن 80% من مؤيدي الحزب باتوا ينظرون إلى "إسرائيل" بصورة سلبية، وهو ما يعني عمليًا أن "إسرائيل" تخسر الحاضنة السياسية والثقافية التي شكلت لعقود العمود الفقري لدعمها داخل الولايات المتحدة. ولم يتوقف الأمر عند صورة الدولة فقط، بل امتد إلى قيادتها السياسية، حيث عبّر 59% من الأميركيين عن انعدام ثقتهم ببنيامين نتنياهو وقدرته على اتخاذ قرارات صحيحة في السياسة الدولية، في مؤشر يعكس تحول "إسرائيل" من "حليف أخلاقي" إلى عبء سياسي وأخلاقي على الغرب نفسه.
 
الأكثر خطورة بالنسبة لـ"إسرائيل" أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على النخب اليسارية أو الحركات الطلابية، بل تحول إلى انقلاب جيلي شامل يهدد مستقبل الرواية الصهيونية داخل الغرب. فوفقًا لاستطلاعات “Gallup” و”Harvard CAPS/Harris Poll”، بات التعاطف مع الفلسطينيين يتفوق للمرة الأولى تاريخيًا داخل شرائح واسعة من المجتمع الأميركي، خاصة بين الشباب والديمقراطيين. وتشير البيانات إلى أن 65% من الديمقراطيين يعلنون تعاطفهم الأكبر مع الفلسطينيين مقابل 17% فقط مع "الإسرائيليين"، بينما أظهرت الفئة العمرية بين 35 و54 عامًا تحولًا واضحًا، حيث يميل 46% منها لدعم الفلسطينيين مقابل 28% لـ"إسرائيل". أما المؤشر الأخطر فجاء من الجيل الجديد، حيث كشفت استطلاعات هارفارد أن ما بين 50% و60% من الشباب الأميركيين بين 18 و24 عامًا باتوا يتبنون الرواية الفلسطينية أو يدعمونها بشكل صريح، في وقت لا يزال فيه الجيل الأكبر سنًا، فوق 65 عامًا، يمنح "إسرائيل" دعمًا يصل إلى 89%. هذه الفجوة الجيلية الحادة تعني أن "إسرائيل" لا تخسر معركة الحاضر فقط، بل تخسر أيضًا معركة المستقبل داخل الغرب. والأشد وقعًا أن 77% من الديمقراطيين وقطاعات واسعة من الشباب باتوا يعتقدون أن "إسرائيل" ترتكب "إبادة جماعية" أو تجاوزات أخلاقية وقانونية كبرى في غزة، وهي لغة كانت حتى وقت قريب تُعتبر من المحرمات السياسية داخل الخطاب الأميركي الرسمي. هكذا تتحول الأرقام نفسها إلى شهادة تاريخية على انهيار الحصانة الأخلاقية التي تمتعت بها "إسرائيل" لعقود طويلة داخل الوعي الغربي.
 
انهيار سلاح "معاداة السامية" في معركة السردية
 
ولعل أخطر ما تواجهه "إسرائيل" اليوم هو انقسام النخب الغربية ذاتها حولها. ففي الولايات المتحدة، لم يعد الدعم لـ"إسرائيل" قضية إجماع مطلق كما كان في العقود السابقة. التحولات داخل الحزب الديمقراطي، وتصاعد الأصوات المنتقدة داخل الجامعات والنقابات ووسائل الإعلام، كلها مؤشرات على أن التحالف التقليدي بين "إسرائيل" والمؤسسة الليبرالية الغربية لم يعد مستقرًا.
 
حتى داخل الجاليات اليهودية الغربية بدأت تظهر انقسامات حادة. فعدد متزايد من المثقفين والناشطين اليهود باتوا يرفضون ربط اليهودية بالمشروع الصهيوني، ويرون أن "إسرائيل" تستخدم ذاكرة المحرقة كغطاء دائم لتبرير العنف والاحتلال. وهذه نقطة مفصلية، لأن "إسرائيل" بنت جزءًا كبيرًا من حصانتها الأخلاقية على فكرة أنها تمثل اليهود جميعًا.
 
الأخطر من ذلك أن تهمة "معاداة السامية"، التي استُخدمت طويلًا كسلاح لإسكات المنتقدين، بدأت تفقد فعاليتها السياسية والإعلامية. ليس لأن "معاداة السامية" انتهت، بل لأن الاستخدام المفرط للمصطلح حوّله إلى أداة سياسية مكشوفة في نظر كثيرين. ومع اتساع حجم التوثيق البصري للانتهاكات، أصبح من الصعب إقناع قطاعات واسعة من الرأي العام بأن كل انتقاد لـ"إسرائيل" هو شكل من أشكال الكراهية العرقية.
 
هوليود والإنجيلية السياسية: كيف صُنعت "إسرائيل" في الخيال الأميركي؟
 
غير أن فهم التحول الحالي يتطلب العودة إلى الجذور الثقافية العميقة للعلاقة الغربية بـ"إسرائيل"، وخاصة داخل الولايات المتحدة. فالدعم الأميركي لـ"إسرائيل" لم يكن سياسيًا فقط، بل كان أيضًا نتاجًا لبنية دينية وثقافية وسينمائية طويلة الأمد.
 
لقد لعبت السينما الأميركية، خصوصًا ذات الخلفية الإنجيلية، دورًا مركزيًا في بناء صورة "إسرائيل" داخل الوعي الشعبي الأميركي. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، جرى تقديم "الإسرائيلي" بوصفه الامتداد الحديث لداود التوراتي: المؤمن الصغير المحاصر بقوى الشر العملاقة. وتحولت الصراعات السياسية المعقدة في "الشرق الأوسط" إلى حكايات تبسيطية بين "الخير" و"الشر"، بين "التحضر" و"الهمجية".
 
السينما التوراتية وصناعة "البطل الإسرائيلي"
 
في تلك السردية، كان العربي يظهر غالبًا بلا اسم ولا تاريخ ولا إنسانية كاملة؛ مجرد تهديد دائم للبطل الأبيض القادم ليزرع الأرض ويصنع المعجزة. وقد ساهمت هوليود والسينما الإنجيلية في ترسيخ هذا الخيال الجماعي لعقود طويلة، حتى أصبح جزءًا من الوعي الأميركي الشعبي.
 
لكن ما يحدث اليوم هو انهيار تدريجي لهذا البناء الثقافي نفسه. فالصورة القديمة لم تعد تقنع الأجيال الجديدة التي ترى "إسرائيل" باعتبارها قوة نووية تمتلك تفوقًا عسكريًا مطلقًا، بينما يعيش الفلسطينيون تحت الحصار والاحتلال والتجويع.
 
لقد انتقلت "إسرائيل"، في المخيال العالمي، من موقع "داود" إلى موقع "جالوت". وهذه ليست مجرد استعارة أدبية، بل تحول سياسي وأخلاقي بالغ الخطورة. لأن الشرعية الغربية التي حمت "إسرائيل" طويلًا كانت قائمة على صورة الضحية الضعيفة التي تستحق الحماية، أما حين تتحول هذه الضحية إلى قوة بطش هائلة، فإن الرواية كلها تبدأ بالانهيار.
 
الكنائس المهانة وسقوط خطاب "الحضارة اليهودية المسيحية"
 
ويبدو هذا الانهيار أكثر وضوحًا حين يتعلق الأمر بالمسيحيين أنفسهم داخل فلسطين ولبنان. فالمشاهد التي وثقت اعتداءات مستوطنين متطرفين على الكنائس ورجال الدين المسيحيين، والبصق على الكنائس، والتصريحات التي حاولت تبرير ذلك بوصفه جزءًا من "التقاليد الدينية"، أحدثت صدمة حتى داخل الأوساط المسيحية الغربية المحافظة.
 
ذلك أن "إسرائيل" التي جرى تسويقها طويلًا باعتبارها حامية "الحضارة اليهودية المسيحية"، باتت تُتهم اليوم بإهانة الرموز المسيحية نفسها. وما جرى من استهداف وتدمير لكنائس في جنوب لبنان، إلى جانب الاعتداءات المتكررة في القدس، ساهم في تقويض جزء إضافي من الخطاب الديني الذي استخدمته الحركة الصهيونية لعقود لكسب التعاطف الغربي.
 
الشرعية المتآكلة: أخطر ما تخسره "إسرائيل" اليوم
 
ومع كل ذلك، لا تزال "إسرائيل" تمتلك نفوذًا هائلًا داخل المؤسسات الغربية السياسية والاقتصادية والإعلامية. لكن النفوذ شيء، والشرعية الأخلاقية شيء آخر. وما تخسره "إسرائيل" اليوم هو تحديدًا هذا البعد الأخلاقي الذي كان يمنحها قدرة استثنائية على تبرير أفعالها أمام العالم.
 
لهذا فإن أخطر ما في التحول الراهن ليس المظاهرات الطلابية، ولا الانتقادات الإعلامية، ولا حتى الضغوط القانونية الدولية، بل التغير البطيء والعميق في الوعي الغربي نفسه. فحين تبدأ الرواية المؤسسة بالتآكل، يصبح من الصعب جدًا إعادة ترميمها بالصيغ القديمة.
 
لقد بنت "إسرائيل" قوتها الدولية على ثلاثية مترابطة: التفوق العسكري، والدعم الغربي، والشرعية الأخلاقية. لكنها اليوم تواجه أزمة في العنصر الثالث تحديدًا. ومع تراجع الشرعية، يصبح التفوق العسكري نفسه عبئًا أخلاقيًا، لا مصدر حماية. وهكذا، فإن السؤال لم يعد: كيف تنتصر "إسرائيل" عسكريًا؟ بل كيف يمكنها استعادة صورة أخلاقية يبدو أنها تتداعى أمام العالم؟ حتى الآن، لا يبدو أن لدى "إسرائيل" جوابًا حقيقيًا.
 
الكاتب الفلسطيني
محمد الايوبي

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي