قراءة في خلافات ساسة العدوّ وعسكره حول لبنان

قراءة في خلافات ساسة العدوّ وعسكره حول لبنان

 

Telegram

في متابعة لنقاشات المسؤولين داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية في كيان الاحتلال، يبرز تصاعد واضح في حدّة التوتر بين المستويين السياسي والعسكري خلال الفترة الأخيرة. وقد تحوّل السجال حول مسؤولية الإخفاق في هذه الجولة أمام حزب الله إلى سياق تندرج تحته معظم المواقف والتصريحات والتسريبات، فيما تبقى أزمة إدارة المواجهة من دون حلول حقيقية.

وفي ظل هذا المأزق، يتزايد الميل لدى قادة العدو إلى رفع مستوى الاعتداءات وحدّتها، في محاولة لتغيير الوقائع الميدانية وفرض معادلات جديدة. في التقرير أدناه، عرضٌ لملامح هذا الاشتباك الداخلي، استناداً إلى رصدٍ للمواقف والتصريحات وآليات العمل الصادرة عن مؤسسات كيان الاحتلال.

ذرّ الرماد
انطلقت شرارة الاحتكاك بين المستويين السياسي والعسكري عبر بيان لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قال فيه إنه طلب من الجيش «الرد بقوة» على «انتهاكات حزب الله» لاتفاق وقف إطلاق النار. غير أن مسؤولين في الجيش قالوا للإعلاميين إن «تصريح بيبي ليس سوى ذرّ للرماد في العيون، وهدفه التخفيف من ضغط مستوطني الشمال»، علماً أن السجال بلغ ذروته بين الجانبين السياسي والعسكري لدى مناقشة تأثير المُحلّقات التي يستخدمها حزب الله ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وصولاً إلى ما عُدّ «انتهاكاً لأخلاقيات» الجيش الإسرائيلي، عقب حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح في قرية دبل الجنوبية، إلى جانب المعلومات الكثيرة حول عمليات السلب والنهب التي قام بها ضباط وجنود من جيش الاحتلال لمنازل الجنوبيين في القرى المحتلة، تحت نظر القادة العسكريين وبموافقتهم.

وكما هي الحال عند كل مفترق في حرب إسرائيل المستمرة منذ طوفان الأقصى، يظهر التباين والخلاف بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية والعسكرية، خصوصاً مع رئيس الأركان. وكما حصل مع رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي خلال الحرب على غزة، يتكرّر المشهد نفسه مع رئيس الأركان الحالي إيال زامير، ولا سيما مع انطلاق عملية «جدعون 2». لكن الجديد، بحسب معلّق عسكري إسرائيلي، هو أن لا وجود لسابقة هاجم فيها رئيس الحكومة، ومعه وزير الحرب ووزراء وأعضاء كنيست، قادة الجيش بشكل يومي تقريباً، حتى بات الوزير يسرائيل كاتس مشغولاً بتأجيج الصراعات بشكل استعراضي مع المؤسسة الموكل بها، فيما أصبحت اجتماعات الكابينت عرضاً إعلامياً للتطاول على رئيس الأركان.

أين سردية الانتصار؟
هذا الخلاف شبه العلني، ظهرت مؤشراته أكثر بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار مع إيران، إذ اتهم نتنياهو المؤسسة الأمنية والعسكرية بأنها أخفقت في إظهار مدى إنجازاتها العسكرية في إيران، ما انعكس سلباً على نظرة الإسرائيليين، كما ظهر في استطلاعات رأي، بشأن تحقيق الأهداف السياسية للحرب.

وبرزت ذروة الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري بشكل أوضح مع إعلان نتنياهو، مساء السبت الماضي، أنه وجّه الجيش للردّ بقوة ضد حزب الله في لبنان، بعدما أعلن العدو عن «تكرار انتهاك حزب الله لوقف إطلاق النار وإطلاق المُسيّرات والمُحلّقات والصواريخ على إسرائيل والقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان». غير أن مسؤولين كباراً في جيش الاحتلال أكّدوا لإعلاميين وعسكريين، أنه «لا يوجد أي تغيير في تعليمات العمل»، وأن الهجوم (الذي شنّه الجيش بعد بيان نتنياهو في منطقة شمال الليطاني) لم يكن استثنائياً، ولا حتى قوياً كما ادّعى نتنياهو، بل كان «ضمن قواعد اللعبة». ووصف هؤلاء إعلان رئيس وزراء العدو بأنه «ذرّ للرماد في العيون يهدف للتخفيف من الضغط الجماهيري».

وأضاف العسكريون أن إعلان نتنياهو «ليس مصادفة»، وهدفه «رمي المسؤولية على الجيش الإسرائيلي باعتباره لا يقدّم النتائج المطلوبة». وقالوا إن «نشاط الجيش يحصل بالضبط وفقاً لتعليمات المستوى السياسي».

يدافع الجيش عن نفسه بوجه حملات يقودها وزراء وسياسيون لتبرير وضع أهداف للحرب غير قابلة للتحقّق


لم يكن هذا الخلاف بين المستوى العسكري من جهة والمستوى السياسي من جهة ثانية، هو الأول من نوعه بشأن الحرب في لبنان. في بداية نيسان الماضي، حصل خلاف بين المستويين على خلفية تصريح ضابط وُصف بالرفيع (قائد المنطقة الشمالية)، خلال اجتماع مُغلق مع المراسلين العسكريين، عندما قال فيه إن «النشاط في لبنان لا يهدف إلى نزع سلاح حزب الله، ولن يحقّق ذلك». في موقف بدا مخالفاً بصورة تامة للتصريحات العلنية للمستوى السياسي، حيث صرّح نتنياهو، وكاتس أكثر من مرة أن الحرب «لن تتوقف هذه المرة من دون نتيجة حاسمة وعلى رأسها تجريد حزب الله من سلاحه».

وفيما تخرج التسريبات سراً وعلناً على لسان مسؤولين وضباط في الجيش الإسرائيلي بأن يدَي الأخير مكبّلتان في الرد على حزب الله بسبب انصياع المستوى السياسي لأمر وقف إطلاق النار الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفرضه على إسرائيل، أتت هجمات حزب الله بالمُحلّقات المفخّخة ونجاحه في إيقاع خسائر في صفوف القوات الإسرائيلية، ما عُدّ عودة إلى الوحل اللبناني أو الوقوع مرة أخرى في حرب استنزاف في جنوب لبنان. ووصل أحد المحلّلين العسكريين إلى القول إن إسرائيل التي ظنّت أنها أوقعت حزب الله في فخ استراتيجي، هي نفسها من وقع في «كمين استراتيجي» نصبه حزب الله لها، و«إذا لم تجد طريقاً للتخلص منه قريباً، ستتحول أشهر الربيع والصيف إلى شتاء لبناني دائم الدماء للجنود ولسكان الشمال».

مفاجآت المقاومة
هذا الوضع، الذي وصفه قادة عسكريون بالمُعقّد، دفع مصدراً أمنياً كبيراً للاعتراف بأن «الطائرات المُسيّرة المُفخّخة كانت مفاجأة كبيرة في ساحة المعركة، ولم نستعدّ بشكل كافٍ لهذا التهديد». لكن نتنياهو، كعادته، استغلّ هذا الوضع وأشار خلال مؤتمر هيئة القيادة العليا للجيش الإسرائيلي الإثنين الماضي، إلى أن تهديد الصواريخ والطائرات المُسيّرة والمُحلّقات هو العائق أمام الحل السياسي في لبنان، و«إذا حُلت هاتان المشكلتان، سيكون بالإمكان حل الجانب السياسي أيضاً»، في إشارة محتملة إلى اتفاق سلام مع لبنان.

وهو بقوله هذا، وتخليه عن النصر المطلق والحسم وتجريد السلاح، يشير ضمناً بإصبع الاتهام إلى أن جيش الاحتلال بعجزه في معالجة ملف مُحلّقات حزب الله، إنما يعطّل الإنجاز السياسي مع لبنان. وفيما دعا نتنياهو إلى العمل عملانياً وتكنولوجياً لحل مشكلة المُحلّقات، فإن كلامه لم يأت من فراغ. ففي الأيام الأخيرة ارتفعت أصوات المحلّلين والمعلّقين محذّرة من خطر المُحلّقات، خصوصاً بعد حادثة الطيبة. واتُّهم الجيش الإسرائيلي بأنه استيقظ متأخراً على جدّية هذا التهديد، ودعا محلّل عسكري هيئة الأركان إلى أن تنشغل في عام 2026 بتهديد المُحلّقات الانتحارية بدل الاهتمام بالشعارات.

في المقابل، أشار مراسل عسكري إلى غضب متزايد تجاه القيادات في ساحة المعركة واعتبره «غضباً مُبرّراً»، مشيراً إلى أنهم ليسوا المسؤولين عن هذا الإخفاق بل هي مسؤولية الصناعات العسكرية، وسلاح البر، وأقسام تطوير الوسائل التي تحلّل أنماط تسليح العدو، وكتّاب العقيدة القتالية.

وعلى خلفية تحطيم جندي إسرائيلي لتمثال السيد المسيح في دبل، التقى نتنياهو بجنود مسيحيين في الجيش الإسرائيلي، وقال إن ما حصل، «يتعارض تماماً مع ما يُعرض في الخارج. ليس فقط أن إسرائيل تحارب من أجل حقوق المسيحيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بل إن لدى إسرائيل جنوداً مسيحيين يقاتلون من أجل الدفاع عن إسرائيل ومن أجل إخواننا المسيحيين في جميع أنحاء المنطقة، وفي الإقليم، وما وراء ذلك».

لكنّ محلّلين عسكريين رأوا أن كثرة الأخبار المنشورة أخيراً حول مشاكل الانضباط والمساس بالقيم الأخلاقية في الجيش الإسرائيلي مثل تحطيم التمثال وألواح الطاقة الشمسية لبئر مياه ونهب المنازل والممتلكات في الجنوب، تحتّم على رئيس الأركان اتخاذ إجراءات فورية. وفيما يزعم ضباط كبار أن رئيس الأركان يجد نفسه مضطراً إلى «اختيار معاركه» بسبب الاحتكاك المستمر مع المستوى السياسي، يشير محلّلون إلى أنه لا يملك رفاهية «الاختيار، لأن مهام الجيش مُعقّدة من الناحية الأخلاقية بطبيعتها؛ والجيش الذي يتخلى عن الانضباط والقيم يتحوّل إلى عصابة مسلحة، يفقد جنودها صورتهم الإنسانية، ونهايته أن يُهزم حتى في المعركة».

من جهة أخرى، دعا محلّل عسكري رئيس الأركان إلى «الإيضاح - حتى للمستوى السياسي المعادي - معنى ونتائج الحرب التي لا تنتهي، والتي أصبحت أهدافها غامضة وسياسية بشكل علني، والتي تهدّد بتفكيك الجيش الذي يتولى مسؤوليته».

ومن ناحية أخرى أُشير إلى أن تقاذف مسؤوليات واتهامات مُبطنة وعلنيّة بين المستويين السياسي والعسكري يدل على أن إسرائيل ربما «دخلت مرحلة البحث عن كبش فداء في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار». لكنّ محلّلاً آخر أشار إلى أنهم «في الجيش الإسرائيلي يعلمون أنهم خسروا في المعركة الحالية إنجاز ما تحقّق بعد حرب سهام الشمال»، وأن القيادة السياسية تقود الجيش خطوةً خطوة للعودة إلى سياسة الاحتواء التي سادت سنوات مع حزب الله. غير أن المشكلة ليست في القيادة السياسية التي، حسب قوله، لم يعد لدى الجمهور الكثير من التوقّعات منها في ما يتعلّق بأمن إسرائيل بل تكمن في القيادة العسكرية ومن يقف على رأسها حيث يُتوقّع من رئيس الأركان أن يعرض للجمهور موقفه وتحفّظاته من الوضع الحالي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram