وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الشؤون الدولية، عبد الرحمن بوثلجة، أن الفجوة قائمة بين الصورة التي تُقدَّم عن الديمقراطية الأمريكية وواقع القرار السياسي الخاضع لتوازنات المصالح واللوبيات، مشيرا إلى أن الرأي العام الأمريكي في كثير من الحالات يميل إلى رفض الحروب، مقابل سياسات تصعيدية تتخذها الإدارات المتعاقبة.
من جهته، يرى الأستاذ في علم الاجتماع، فوزي بن دريدي، أن البروباغندا الأمريكية روّجت طويلا لصورة مثالية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، غير أن تجارب الحروب، من هيروشيما إلى العراق وصولا إلى النزاعات الراهنة، كشفت عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة، وهو ما عززه الإعلام البديل في فضح هذه الفجوة.
في هذا الصدد، يرى بوثلجة أن إشكالية ازدواجية المعايير التي تطبع الخطاب السياسي الأمريكي، خاصة في ما يتعلق بشعارات حماية المدنيين ونشر الديمقراطية والسلام، تكشف عن فجوة عميقة بين ما يتم الترويج له على المستوى الإعلامي والدبلوماسي، وبين الممارسات الفعلية على أرض الواقع.
فجوة عميقة بين ما يُروّج له وبين الممارسات الفعلية على أرض الواقع:
وأوضح الباحث في الشؤون الدولية، أن الولايات المتحدة تُقدَّم غالبا باعتبارها نموذجا للديمقراطية الحديثة، القائم على اختيار الشعب لمن يحكمه، لكن من المهم جدا، التمييز بين إرادة المواطنين الأمريكيين وبين سياسات الإدارات المتعاقبة في واشنطن، مشيراً إلى أن هذه الإدارات تتحرك في كثير من الأحيان تحت تأثير لوبيات نافذة ومجموعات ضغط ومصالح اقتصادية واستراتيجية معقدة.
وذكر في هذا السياق، أن استطلاعات الرأي داخل الولايات المتحدة تُظهر في أكثر من مناسبة ميلا واضحا لدى الرأي العام الأمريكي إلى رفض الحروب، بما في ذلك رفض أي تصعيد عسكري ضد إيران، معتبرا أن المواطن الأمريكي في الغالب ينشغل بقضاياه اليومية المرتبطة بالمعيشة والأسعار والاقتصاد، أكثر من انشغاله بخيارات التدخل العسكري خارج حدود بلاده.
وأضاف محدثنا أن هذا التباين بين توجهات الرأي العام، وبين قرارات السلطة التنفيذية، يطرح إشكالية جوهرية في فهم طبيعة القرار السياسي الأمريكي، الذي لا يعكس دائما الإرادة الشعبية المباشرة، بقدر ما يعكس توازنات مصالح داخلية وخارجية.
وفي سياق متصل، أشار الباحث في الشؤون الدولية، إلى أن السياسات العسكرية الأمريكية خلال العقود الماضية، خاصة في العراق وأفغانستان، خلفت تداعيات إنسانية ثقيلة، تمثلت في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فضلا عن تدمير واسع للبنية التحتية.
واستحضر في هذا الإطار ما ارتبط بتلك الحروب من وقائع صادمة، من بينها فضيحة سجن أبو غريب، وما تخللها من صور تعذيب وتنكيل أثارت صدمة واسعة على المستوى الدولي، وطرحت تساؤلات حادة حول مدى احترام المعايير الإنسانية المعلنة.
وتابع قائلا: “إن هذا النمط من التعامل لم يقتصر على تلك الساحات، بل امتد إلى أزمات أخرى في المنطقة”، حيث أبرز أن ما جرى ويجري في غزة ولبنان يعكس، استمرار منطق القوة المفرطة، مشيراً إلى أن الاعتداءات الصهيونية، التي تتحمل الولايات المتحدة جزءا كبيرا من مسؤوليتها السياسية والعسكرية والدعم غير المباشر لها، أدت إلى دمار واسع في المؤسسات المدنية والصحية والتربوية، وإلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
وشدد على أن تأخر التحرك الأمريكي في بعض المحطات لوقف التصعيد، رغم حجم الكارثة الإنسانية، يطرح علامات استفهام حول مصداقية الخطاب الأمريكي المتعلق بحماية المدنيين.
هذا، وأكّد المتحدث على أن السياسات الأمريكية، والغربية عموما، كثيرا ما تخضع لمنطق المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الجيوسياسية، أكثر مما تخضع لمقتضيات القانون الدولي الإنساني أو المبادئ الأخلاقية المعلنة.
واعتبر أن المسؤولية الأساسية في هذا السياق تقع على عاتق الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وليس على الشعب الأمريكي، الذي لا يُظهر ميلاً إلى الحروب بقدر ما ينشغل بقضاياه الداخلية.
خِتاماً، أبرز الأستاذ بوثلجة، أن الشعارات السياسية الكبرى، مثل شعار “أمريكا أولاً” الذي رُفع في عهد الرئيس دونالد ترامب، تعكس هذا التوجه نحو تغليب المصلحة الوطنية الضيقة، غير أن الوقائع، كما أشار، تُظهر استمرار تأثير لوبيات وشخصيات نافذة في توجيه القرار السياسي، بما يجعل الفجوة بين الخطاب والممارسة قائمة ومستمرة.
تعميق صورة التناقض بين الخطاب المعلن والواقع
من جانبه، أفاد فوزي بن دريدي، الأستاذ في علم الاجتماع، أن السنوات والعقود الماضية شهدت ترويجا واسعا من قبل البروباغندا الأمريكية، عبر أفلام هوليوود ووسائل إعلام مختلفة، لنموذج يقدَّم للعالم بوصفه قائما على الديمقراطية وحقوق الإنسان، إلى جانب مراقبة المؤسسات وترسيخ قيم الحرية.
وأوضح بن دريدي أن هذا الخطاب، رغم حضوره القوي في السردية الأمريكية، لا يعكس حقيقة الممارسات على الأرض، مشيرا إلى أن التاريخ الحديث يكشف عن “أكبر الجرائم” التي شهدها العالم، وفي مقدمتها القصف النووي لمدينتي هيروشيما وناجازاكي.
وأضاف أن الحروب الأمريكية الأخيرة، بما فيها الحرب على العراق وغيرها، جرت في سياق إعلامي مكثف، حيث كانت الولايات المتحدة تحتكر السردية عبر الإعلام التقليدي، مقدّمة نفسها كمدافع عن حقوق الإنسان، ومؤكدة أن المدنيين خارج دائرة الاستهداف، وأن تدخلاتها تهدف إلى نشر الديمقراطية.
وأبرز محدثنا أن هذا التصور كان يُروَّج له بشكل واسع عبر القنوات الفضائية في تلك المرحلة، غير أن ظهور الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي ساهم في كشف تناقضات هذا الخطاب، وإعادة طرح الأسئلة حول مدى التزام الولايات المتحدة فعليا بالقيم التي ترفعها شعارا.
وأشار في السياق ذاته، إلى أن الجدل الداخلي بالولايات المتحدة نفسها، خاصة فيما يتعلق بحوادث استهداف الأطفال في المدارس، ساهم في تعميق صورة التناقض بين الخطاب المعلن والواقع، معتبرا أن ذلك يعكس أزمة في القيم المعلنة أمريكيا.
وأردف قائلا: “إن ما يجري اليوم من تحالفات، خصوصا مع الكيان الصهيوني، يُوظَّف ضمن استراتيجيات تستهدف الضغط على المدنيين، سواء في إيران أو في مناطق نزاع أخرى، بهدف دفع الأطراف المقابلة إلى الاستسلام أو تغيير مواقفها تحت ضغط المعاناة الإنسانية”.
وشدّد المتحدث على أن ما كشفته الأحداث الأخيرة، خاصة بعد 7 أكتوبر وما تلاه من تطورات في غزة، يُظهر بوضوح اعتماد استراتيجية تستهدف الجانب المدني للضغط على الجبهات العسكرية، وهو ما يرقى إلى جرائم حرب.
وفي ختام حديثه، اعتبر بن دريدي أن هذا التحوّل في الوعي العالمي، مدفوعا بانتشار الإعلام البديل والشبكات الاجتماعية، أدى إلى اهتزاز كبير في مصداقية السردية الأمريكية، لافتا إلى أن المستقبل قد يشهد تصاعدا في الضغوط الدولية من أجل محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :