وفي هذا السياق، تناولت مجلة The American Conservative هذه المواجهة ضمن قراءاتها للمشهد الدولي، معتبرة أن الحرب على إيران مرشحة لأن تُسجل في التاريخ، لا بسبب نتائجها الميدانية، بل لكونها تمثل نقطة انعطاف في مسار الدور الأمريكي عالميا.
فبحسب المجلة، لم تكن هذه الحرب خطأ تكتيكيا فقط، بل تعبيرا عن خلل أعمق في الرؤية الاستراتيجية، حيث وصفتها بأنها “حرب سيئة التنظيم شنتها إمبراطورية في طور الأفول”، في إشارة صريحة إلى تراجع القدرة الأمريكية على إدارة الصراعات وفق منطق الهيمنة المنفردة.
وتذهب المجلة أبعد من ذلك، حين ترى أن هذه الحرب قد تُسدل الستار على مرحلة تاريخية كاملة اتسمت بسيطرة الولايات المتحدة على النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، معتبرة أنها قد تكون من بين آخر الحروب التي تُخاض ضمن منطق الأحادية القطبية.
وفي هذا الإطار، انتقدت المجلة أداء إدارة ترامب، معتبرة أنه أهدر فرصة استراتيجية لإعادة تثبيت موقع الولايات المتحدة كقوة عظمى على المدى الطويل، داعية في المقابل إلى مراجعة جذرية للسياسات المعتمدة، تقوم على تقليص النزعة العسكرية والانتقال نحو مقاربة أكثر حذرا وترشيدا للإنفاق الدفاعي بوصفه شرطا للبقاء في عالم يتجه نحو التعددية.
وتتقاطع قراءة المجلة مع معطيات ميدانية وسياسية تعزز من وجاهتها، فقد كشفت وكالة رويترز، يوم أمس، نقلا عن تسريبات من داخل وزارة الدفاع الأمريكية، عن وجود تصدعات غير مسبوقة داخل صفوف الحلفاء التقليديين لواشنطن، لا سيما ضمن إطار حلف شمال الأطلسي. وتشير هذه المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس خيارات عقابية تجاه بعض الدول الأعضاء بسبب رفضها الانخراط في الحرب على إيران، في خطوة تعكس حجم التوتر الذي بلغته العلاقات داخل الحلف.
وتكشف الوثائق المسربة عن مستوى غير مسبوق من الاستياء الأمريكي، حيث طُرحت مقترحات شديدة الحساسية من قبيل تعليق عضوية إسبانيا، أو إعادة النظر في الدعم الدبلوماسي المقدم لبريطانيا في ملف جزر فوكلاند، وذلك ردًا على امتناع بعض الحلفاء عن توفير التسهيلات العسكرية أو المشاركة في تأمين الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وتعكس هذه الطروحات حجم التصدع الذي بدأ يطال أحد أهم أعمدة النفوذ الأمريكي في النظام الدولي.
وفي سياق متصل، تكتسب الشهادة التي أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، جون كيري، أهمية خاصة، حيث كشف في مقابلة إعلامية عن خلفيات استراتيجية تمتد لسنوات، موضحا أن رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، كان قد ضغط بشكل متكرر على الإدارات الأمريكية المتعاقبة – من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما وصولًا إلى جو بايدن – من أجل تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، غير أن تلك الإدارات فضّلت الإبقاء على الخيار الدبلوماسي ورفضت الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة.
غير أن كيري يشير بوضوح إلى أن إدارة ترامب شكلت استثناءً في هذا المسار، إذ كانت الأولى التي استجابت لخيار التصعيد العسكري بشكل مباشر، وهو ما اعتبره سببا رئيسيا في تفاقم التداعيات الحالية، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو على صعيد التهديدات التي باتت تطال استقرار الاقتصاد العالمي. ويعكس هذا التحول، وفق هذه الشهادة، انتقالا من سياسة الاحتواء إلى منطق المجازفة، بما يحمله ذلك من كلفة استراتيجية مرتفعة.
وفي ضوء هذه المعطيات المتداخلة، تبرز إشكالية أعمق تتجاوز حدود هذه الحرب في حد ذاتها، لتطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة النظام الدولي في مرحلته الراهنة. فهل تمثل هذه التطورات مؤشرا على انتقال فعلي نحو نظام متعدد الأقطاب تتوزع فيه مراكز القوة، أم أنها مجرد إعادة ترتيب للأدوار داخل نفس البنية التي ما تزال تحتفظ الولايات المتحدة بموقع مركزي فيها؟ كما يفرض هذا السياق تساؤلا موازيا حول حدود القدرة الأمريكية على التأثير في مسارات الأزمات، ومدى قدرتها على إعادة صياغة دورها بما يتلاءم مع عالم لم يعد يحتمل منطق الهيمنة الأحادية كما كان في السابق.
تعددية “هشة”
يؤكد المختص في العلاقات الدولية، زهير بدر الدين كرزيكه، أن ما يشهده العالم اليوم يتجاوز مجرد التغيرات العابرة في موازين القوى، ليُشكل إعادة تعريف شاملة لبنية النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب على إيران.
ويرى كرزيكه أن التوصيفات التقليدية لم تعد تسعفنا في فهم الواقع الراهن؛ فنحن لسنا أمام “تعددية أقطاب” بمعناها الكلاسيكي الذي يفترض وجود أقطاب متكافئة القوة تصنع توازنا مستقرا، كما أننا لم نعد نعيش في كنف الأحادية القطبية التي ميزت حقبة التسعينيات بهيمنتها المطلقة، بل نحن بصدد الدخول في حالة جيوسياسية هجينة يمكن تسميتها بـ”التعددية الهشة”.
ويوضح المحلل أن جوهر هذه “التعددية الهشة” يكمن في وجود نظام تتعدد فيه مراكز القرار وتتصاعد فيه أصوات الاعتراض والممانعة، لكنه يفتقر في الوقت ذاته إلى قيادة بديلة قادرة على إنتاج إجماع دولي جديد أو صيانة القواعد الحاكمة للعلاقات بين الدول.
فالمفارقة الكبرى اليوم تتمثل في أن القوى الصاعدة والفاعلين الدوليين باتوا يمتلكون قدرة هائلة على رفض الهيمنة القائمة والتمرد عليها، دون أن يمتلكوا في المقابل القدرة أو الرؤية لبناء نظام بديل متكامل، ما يترك الساحة الدولية في حالة من الاستعصاء السياسي وفقدان البوصلة.
ويحذر زهير بدر الدين في سياق حديثه من أن هذا الواقع يحوّل مرحلة ما بعد الصراع مع إيران إلى “مرحلة انتقالية خطرة بامتياز”؛ ذلك أن مكمن الخطر الحقيقي في المنظور الاستراتيجي لا يعود بالضرورة إلى وجود قطب مسيطر يفرض سطوته، بل يكمن في حالة الفراغ وغياب القطب المستقر الذي يضمن توازن النظام وصمود قواعده.
وإن هذا الغياب للقيادة الدولية الواحدة أو الجماعية المستقرة، حسبه، يجعل العالم عرضة لانكشاف أمني وسياسي دائم، حيث تصبح النزاعات الإقليمية والصدامات المباشرة أكثر قابلية للانفجار.
قراءة في براديغم الفعل الأمريكي الجديد
يرى المحلل السياسي، رائد ناجي، أن مقاربة التجربة الخارجية للولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب لا يمكن اختزالها في ثنائيات حادة من قبيل الإضعاف أو التقويض، معتبرا أن هذا الطرح، رغم جاذبيته الخطابية، يختزل ظاهرة مركبة في حكم مبسط قد يخدم البلاغة أكثر مما يخدم التحليل.
ويضيف ناجي أن سؤال النتائج يظل مشروعا: هل أسهمت هذه الخيارات، من حيث المآلات، في إتاحة فرص لخصوم واشنطن لم تكن لتتاح لهم لولا هذا التحول؟
ويؤكد المتحدث أن ما يميز لحظة ترامب لا يتعلق بقرارات منفصلة، بل بانتقال في منطق الفعل ذاته، من دبلوماسية متعددة الأطراف تتسم بالتراكم والبطء، إلى نزعة صدامية تقوم على إعادة التفاوض الدائم، وإخضاع التحالفات لمنطق الكلفة والعائد المباشر.
وهذا التحول، بحسبه، لم يكن بلا ثمن رمزي، إذ إن المكانة الدولية لا تُقاس فقط بحجم القوة، بل بمدى الثقة في استقرار السلوك، وعندما تهتز هذه الثقة يتشكل فراغ نسبي يفتح المجال لإعادة توزيع موازين التأثير.
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور ناجي أن بعض السياسات التي انتهجها ترامب أضعفت ما يسميه البنية غير المادية للنفوذ الأمريكي، أي شبكة الالتزامات والتوقعات المشتركة التي بنتها واشنطن عبر عقود. فالانسحاب من اتفاقيات دولية، والتشكيك في جدوى المؤسسات الجماعية، وإعادة تعريف الحليف كشريك تفاوضي بدل كونه ركيزة استراتيجية، كلها مؤشرات أعادت، حسبه، صياغة صورة الولايات المتحدة لدى شركائها، وهو ما انعكس في سلوك أكثر حذرًا من الحلفاء، وأكثر جرأة من الخصوم.
غير أن هذا التشخيص، حسب المتحدث، يظل ناقصا إذا لم يُؤخذ في الاعتبار السياق الداخلي الأمريكي، حيث لا يمكن فهم سياسات ترامب بوصفها نزوة شخصية أو انحرافا استثنائيا، بل باعتبارها تعبيرا مكثفا عن تحولات أعمق داخل المجتمع الأمريكي، يتزايد فيها التشكيك في جدوى “تحمل أعباء النظام الدولي”، مقابل تصاعد الدعوات لتوجيه الموارد نحو الداخل. ومن هذا المنظور، تبدو هذه السياسات أقرب إلى إعادة تموضع قسرية منها إلى خروج عن المسار.
الضغط على الحلفاء
يضيف ناجي أن هذه المقاربة سعت إلى استعادة ما اعتُبر توازنا مختلا في العلاقات الاقتصادية والأمنية، عبر الضغط على الحلفاء لرفع مساهماتهم، وفرض تعريف جديد للعدالة في التبادل التجاري، إلى جانب محاولة نقل الصراع مع القوى الصاعدة من مستوى الخطاب إلى مستوى الأدوات المباشرة، خاصة في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، وهو ما أعاد، حسب المتحدث، الاعتبار لأدوات القوة الصلبة بعد سنوات من المراهنة على القوة الناعمة.
لكن الإشكال، كما يشير، يكمن في أن هذا الانتقال لم يتم بشكل تدريجي، بل جاء في صورة قطيعة مفاجئة، ما أضعف القدرة على تحقيق التوازن بين الأدوات الصلبة والناعمة. فالقوة الصلبة، مهما بلغت فعاليتها، تحتاج، حسب ناجي، إلى غطاء شرعي يمنحها الاستدامة ويخفف من كلفتها، وعندما يتآكل هذا الغطاء تصبح التحركات أكثر عرضة لتداعيات قد تتجاوز مكاسبها المباشرة.
وفي هذا الإطار، يبرز ما يصفه المتحدث بالمفارقة، حيث سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز موقعها عبر إعادة التفاوض، لكنها في المقابل فتحت، دون قصد، مساحات أوسع للمناورة أمام خصومها، ليس لأنهم أصبحوا أقوى بشكل مفاجئ، بل لأن البيئة الدولية باتت أقل انضباطا بالقواعد التي أرستها واشنطن نفسها.
ومع ذلك، يحذر الدكتور ناجي من المبالغة في القول إن ترامب حقق لخصوم بلاده ما كانوا يسعون إليه دون جهد، مشددا على أن هؤلاء الخصوم ظلوا فاعلين يستثمرون التحولات، وأن بنية النظام الدولي بطبيعتها ديناميكية. والأدق، برأيه، أن سياسات ترامب سرّعت اتجاهات كانت قائمة بالفعل، وكشفت عن هشاشات كامنة في النموذج الأمريكي لإدارة النظام الدولي.
ويخلص في ختام حديثه إلى أن هذه المرحلة لا يمكن قراءتها بمنطق الإدانة أو التبرير، بل باعتبارها لحظة إعادة تعريف للنفوذ الأمريكي، حيث تراجعت بعض مصادره التقليدية مقابل صعود أخرى. وفي ظل هذه الحالة الانتقالية التي لم تستقر بعد، يظل السؤال، حسبه، مفتوحا حول ما إذا كان ما حدث يمثل تراجعا ظرفيا قابلا للاحتواء، أم بداية لتحول بنيوي أعمق في موقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي.
براغماتية مكشوفة
تتلخص المحصلة النهائية في أننا نشهد انتقالا من الهيمنة الناعمة التي كانت تغلف المصالح الأمريكية بغطاء من القواعد والمؤسسات الدولية، إلى براغماتية مكشوفة لم تعد تجد حرجا في التصادم مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
وهذا التحول كسر وهم الاستقرار الذي كان يسوّقه النظام الدولي السابق، وكشف أن القواعد العالمية لم تكن سوى أدوات لإدارة النفوذ، وحين تعارضت هذه القواعد مع حسابات الربح والخسارة في الداخل الأمريكي، جرى التخلي عنها لصالح منطق القوة العارية والمساومة المباشرة.
وإن النتيجة الفعلية لهذا المسار، حسب المعطيات الحالية، هي نشوء بيئة دولية عالية المخاطر، حيث لم يعد بمقدور القوى الإقليمية الاعتماد على التوازنات التقليدية لتأمين تموضعها، فنحن أمام مرحلة من الفوضى المنظمة، يسعى فيها كل لاعب دولي إلى انتزاع حصته من النفوذ عبر التحرش بحدود القوى الأخرى، مستفيدا من حالة التفكك في الجبهات التي كانت متماسكة سابقا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :