بين السلطة والقضاء: قضية المحكمة العسكرية تعيد طرح سؤال استقلال القاضي

بين السلطة والقضاء: قضية المحكمة العسكرية تعيد طرح سؤال استقلال القاضي

 

Telegram

كتبت الدكتورة رشا ابو حيدر 

أثار الحكم الصادر عن المحكمة العسكرية في لبنان جدلاً واسعاً بعد إدانة المحكمة لعناصر من حزب الله الذين كان بحوزتهم أسلحة، وما تلاه من غضب وزير العدل وإحالته لرئيس المحكمة العسكرية إلى التحقيق. هذه الواقعة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: هل يجوز مساءلة القاضي بسبب حكمه؟

 

من الناحية القانونية، يخضع القضاء العسكري لأحكام قانون القضاء العسكري اللبناني، الذي ينظم تشكيل المحاكم العسكرية واختصاصاتها. وتنص المادة الخامسة منه على أنّ رئيس المحكمة العسكرية يُعيَّن بقرار من وزير الدفاع بناءً على اقتراح قائد الجيش. هذا التعيين ذو طابع إداري، ويخص تنظيم المرفق القضائي العسكري، ولا يمتد أثره إلى مضمون الأحكام التي يصدرها القاضي أثناء ممارسته مهامه.

 

فعند جلوس القاضي على منصة القضاء، يصبح خاضعاً للقانون وحده، كما كرّس الدستور اللبناني في المادة 20: القضاء سلطة مستقلة، والقضاة في إصدار أحكامهم لا يخضعون إلا للقانون. ويعزز هذا المبدأ ما يُعرف بـمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يمنع تدخل السلطة التنفيذية في مضمون الأحكام القضائية.

 

وبحسب قانون القضاء العسكري، يمكن الطعن بالأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية أمام محكمة التمييز العسكرية، المرجع القضائي الأعلى في هذا المجال، المخوّل قانوناً مراقبة حسن تطبيق القانون وصحة الإجراءات، وليس السلطة الإدارية.

 

ويستند النظام القضائي اللبناني إلى مبدأ أساسي: القاضي لا يُسأل عن مضمون حكمه. فالحكم القضائي عمل اجتهادي، وقد يُطعن فيه، بينما المساءلة التأديبية للقاضي لا تقوم إلا في حال ارتكابه مخالفة مسلكية أو إخلالاً بواجبات الوظيفة القضائية وفق الأطر القانونية.

 

وقد أكدت اجتهادات محكمة التمييز اللبنانية ومجلس شورى الدولة على هذا التمييز، معتبرة أن السلطة الإدارية لا تملك التدخل في مضمون الحكم القضائي أو تقييمه خارج الأطر القانونية. كما يرتبط بذلك مبدأ الأمن القانوني واستقرار الأحكام القضائية، الذي يحمي ثقة المتقاضين بالقضاء ويمنع تحويل الأحكام القضائية إلى موضوع سجال خارج المحاكم المختصة.

 

إن احترام هذه المبادئ لا يهدف إلى حماية القاضي كشخص، بل إلى حماية استقلال القضاء وهيبة العدالة. فالقاضي الذي يخشى المساءلة بسبب الحكم الذي يصدره يفقد القدرة على تطبيق القانون بحرية وحياد، وهو ما يتعارض مع جوهر دولة القانون.

 

ومن هنا، يبقى المبدأ الأوضح:

الأحكام القضائية تُناقش وتُراجع داخل المحاكم عبر طرق الطعن القانونية، لا عبر الإجراءات الإدارية أو الضغوط السياسية.

 

فاستقلال القضاء ليس امتيازاً للقضاة، بل هو الضمانة الأساسية لحقوق المواطنين ولقيام دولة القانون.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram