الكورة بين ضجيج الأرقام وهدوء الحقيقة… التأجيل يعيد رسم المشهد

الكورة بين ضجيج الأرقام وهدوء الحقيقة… التأجيل يعيد رسم المشهد

 

Telegram

كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز 

 

في كل موسم انتخابي في لبنان، تتكشف طبقات جديدة من التعقيد السياسي، غير أنّ ما شهدته الكورة في الأسابيع الماضية حمل مزيجًا خاصًا من السجالات الحادة والتنافس الذي تجاوز أحيانًا حدود النقاش السياسي الطبيعي. فقبل اندلاع العدوان الإسرائيلي الأخير، كانت الساحة الكورانية تعيش على وقع نقاش محتدم بين القوى القومية، بدأ بتضخيم العناوين التنظيمية، ومرّ بمحاولات توزيع أرقام انتخابية لا تستند إلى معطيات واقعية، وصولًا إلى بيانات متكررة هدفت إلى التأثير في الرأي العام من دون أن تحمل مضمونًا سياسيًا جديدًا أو قراءة جدية للمشهد القائم.

 

غير أنّ العودة إلى تجربة انتخابات عام 2022 تكشف بوضوح ملامح الصورة الحقيقية. يومها توزّع الصوت القومي بنسبة تقارب الثلثين لصالح مرشح النهضة الأمين سليم سعاده، مقابل نحو الثلث لمرشح التنظيم الأمين وليد العازار، وهو ما شكّل تعبيرًا واضحًا عن خيار ديمقراطي لا يمكن القفز فوقه أو إعادة تفسيره وفق الأهواء. فالديمقراطية ليست شعارًا يُرفع في البيانات أو يُستحضر في الخطابات، بل ممارسة فعلية تبدأ بالاحتكام إلى نتائج الصناديق واحترام إرادة الأكثرية كما عبّرت عنها.

 

ومع ذلك، استمر الجدل في الكورة، حيث ظهرت محاولات لإعادة رسم صورة مغايرة للواقع عبر الترويج لأرقام انتخابية مرتفعة لا تعكس ميزان القوى الفعلي على الأرض. وفي هذا السياق، يواصل مرشح التنظيم الحالي حسان صقر الترويج لخطاب يتحدث عن أكثر من ثلاثة آلاف صوت، وهو رقم سبق أن طُرح في استحقاقات سابقة قبل أن تكشف النتائج الفعلية محدوديته. اللافت في هذا المشهد أنّ صقر، بدل أن يخوض المعركة السياسية انطلاقًا من هويته الحزبية الواضحة، يحاول تقديم نفسه بصفة مرشح «للمجتمع المدني»، مستندًا إلى شبكة من الجمعيات المرتبطة بمشاريع يصفها خصومه بالمشبوهة، في محاولة للالتفاف على القاعدة القومية وتوسيع دائرة الدعم بوسائل غير تقليدية.

 

لكنّ أهل الكورة، الذين راكموا خبرة طويلة في الحياة السياسية، يدركون جيدًا الفارق بين الوقائع والأرقام المتخيّلة. فهذه المنطقة التي شكّلت على الدوام ساحة سياسية نشطة، اعتادت أن تحسم خياراتها بناءً على الثقة والالتزام والوقائع الملموسة، لا على الشعارات المستعارة أو الحملات الإعلامية العابرة.

 

ورغم اللقاءات التنظيمية والندوات التي يحرص المرشح حسان صقر على عقدها في مكتبه الانتخابي، إلا أنّ المشهد يبدو أقرب إلى استعراض إعلامي منه إلى فعل سياسي قادر على إحداث تحول فعلي في المزاج الكوراني. فالمجتمع في الكورة، الذي اعتاد قراءة الوقائع بواقعية وهدوء، يدرك جيدًا أنّ التردد في الانتماء الواضح إلى الحزب وفكره القومي، ومحاولة الظهور بلباس «المجتمع المدني» عبر شبكة من الجمعيات المرتبطة بمشاريع تحيط بها علامات استفهام كثيرة، لا يكفي لصناعة صدقية ولا لبناء ثقة راسخة. فالماكينات الانتخابية التي تُدار بالصور والشعارات قد تصنع ضجيجًا عابرًا، لكنها لا تغيّر في جوهر المعادلة شيئًا. ومع مرور الوقت، سواء عبر التأجيل أو أي تمديد محتمل، تتكشف تدريجيًا هشاشة هذا الخطاب وطبيعته الظرفية القائمة إلى حد كبير على المال الانتخابي الذي يُنفق بسخاء يمنة ويسارًا.

 

من هنا، جاء قرار تأجيل الانتخابات ليشكّل محطة مفصلية في هذا المسار. فالتأجيل، وإن بدا للبعض إجراءً تقنيًا، يحمل في الواقع دلالة سياسية أعمق، إذ يفتح الباب أمام إعادة قراءة المشهد القومي في الكورة بهدوء، ويمنح القوى المعنية فرصة لإعادة النظر في خياراتها وترشيحاتها بما يضمن تمثيل الشريحة الأوسع من القوميين الاجتماعيين وتيارهم الشعبي. فالاستمرار في حالة الاستنزاف الداخلي لن يؤدي إلا إلى إضعاف الحضور القومي وتبديد طاقاته في معارك جانبية لا تخدم أحدًا.

 

وفي هذا السياق، يبرز اسم الأمين سليم سعاده بوصفه شخصية نجحت في الحفاظ على موقع متوازن بعيدًا عن الاصطفافات الضيقة. فقد أثبت خلال مسيرته أنّه قادر على اعتماد حياد إيجابي يجمع ولا يفرّق، وأنه يملك من الرصيد السياسي والشخصي ما يسمح له بتجاوز الانقسامات القائمة. لذلك يرى كثيرون في حضوره خيارًا طبيعيًا لأبناء الكورة الباحثين عن شخصية قادرة على أن تكون نقطة التقاء لا سببًا لمزيد من الانقسام.

 

فالانتخابات في الكورة لم تكن يومًا معركة صور أو استعراضات تنظيمية، بل معركة ثقة أولًا وأخيرًا. وهذه الثقة لا تُبنى عبر الأرقام المعلّبة أو الاجتماعات الاحتفالية، بل عبر سجل واضح من العمل العام والالتزام الصادق بقضايا الناس.

 

ومن هنا، يمكن النظر إلى قرار التأجيل لا كعقبة أمام المسار الديمقراطي، بل كفرصة لإعادة ترتيب البيت القومي على أسس أكثر واقعية وصلابة. فالكورة، بتاريخها السياسي العريق وأهلها المعروفين بوعيهم، ليست ساحة تنطلي عليها الأوهام، بل بيئة تحتكم في نهاية المطاف إلى من يملك رصيدًا حقيقيًا من المصداقية والمحبة والعطاء

 

في كواليس الكورة، يدرك كثير من المتابعين أنّ الضجيج الذي رافق التحضير للاستحقاق لم يكن بالضرورة تعبيرًا عن قوة سياسية بقدر ما كان محاولة لفرض واقع انتخابي عبر الأرقام والشعارات. غير أنّ هذه المنطقة التي خبرت السياسة جيدًا لا تنقاد بسهولة خلف الضجيج، بل تميل دائمًا إلى التريث وقراءة الوقائع قبل اتخاذ القرار. ولذلك يهمس بعض العارفين بأنّ التأجيل قد يتحول، في لحظة ما، إلى فرصة حقيقية لفرز المشهد بين خطاب يقوم على الاستعراض والإنفاق الانتخابي، وآخر يسعى إلى إعادة الاعتبار للفكرة القومية بصفتها مشروعًا جامعًا. وفي انتظار أن تتضح الصورة أكثر، يبقى السؤال الذي يتردد في المجالس الكورانية: من يملك القدرة على تحويل الثقة الشعبية إلى مشروع سياسي صادق… ومن يكتفي بإدارة ضجيج عابر سرعان ما تبتلعه الوقائع.

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram