التروي في قراءة باروخ سبينوزا: عبارة «الإله أو الطبيعة» أمام تعدد الأفهام،
عندما كان قرار الحِرم يُتلى في كنيس أمستردام في السابع والعشرين من يوليو/تموز عام 1656 إدانة وعزل الشاب ذي الثلاثة والعشرين ربيعا. كان هذا الأخير ما يزال بعدُ في بواكر بناء صرحه الفلسفي، ولم تكن أفكاره آنذاك قد بلغت المدى العميق، ولا التأثير المدوي الذي أحدثته لاحقا مع وضع آخر لبنة في نسقه العقلاني المتكامل..
بـاروخ سبينوزاBaruch Spinoza: قلما تعرض مفكر في تاريخ الفكر الحديث لسوء الفهم والإدانة والرمي بالكفر.. مثلما تعرض له هذا الفيلسوف. ومن ثم إعادة استدعائه واكتشافه بوصفه أحد أعمدة الفلسفة العقلانية الحديثة. وللمفارقة فإن هذا الفيلسوف الذي كان يرغب في تحرير اللاهوت من الأوهام والخرافة، والارتقاء به إلى مقام العقل والضرورة، صار رمزا للكفر حينها. كما أن عبارته الشهيرة «الإله أو الطبيعة» Deus sive Natura» تحولت من محاولة فلسفية في درب الميتافيزيقا، إلى فريسة للتأويلات الأيديولوجية. فبينما كان التراثيون يرون أن سبينوزا أراد الإجهاز على التصور التقليدي للإله، ذهبتْ قراءات أخرى على أن الرجل أقدم على خطوات منهجية في تأسيس لاهوت فلسفي ـ طبيعي. وهو الاعتقاد الذي سيكون له ما بعده على العلم والفلسفة.
أمام هذا الإحراج التأويلي تبرز جملة من الإشكالات، التي قد تستبد بأي قراءة معاصرة للفيلسوف باروخ سبينوزا، وفي مقدمتها إشكال الحمولة. فما هي الدلالات العامية والأنطولوجية والإبستمولوجية، التي اكتستها عبارة «الإله أو الطبيعة» عند سبينوزا؟ وهل للمنهج الهندسي الذي كتب به سبينوزا آثار في سوء الفهم الذي لحق أفكاره؟ وما هي القطائع التي خلفتها عبارة «الإله أو الطبيعة» في إبستيميات الفكر الغربي؟ وكيف تخطى صداها جدار الفلسفة واللاهوت، ليصل رحاب الدقيقة والإنسانية؟
«الإله او الطبيعة» وسيولة التأويلات
لم تكن ورقة الحِرْمْ التي أُشهرت في وجه الفيلسوف باروخ سبينوزا، وهو في بداياته الفلسفية سوى مظهر من مظاهر سوء الفهم الشعبي، الذي ركب أفكاره. وهو الفهم الذي احتكم إلى الدلالة الظاهرية للعبارة. فقد اعتبر التراثيون زمن سبينوزا أن الأخير سحب كل مفاعيل القدرة من الإله مثل، الإرادة والغضب والإعجاز والاختيار.. وجعله مساوقاً للطبيعة الصماء، التي تعتبر امتداداً للفعل الإلهي. لهذا فالإقصاء الأنثروبولوجي الذي لحق بسبينوزا كان استجابة لفهم الجماعة هذا، لكن إلى أي حد يصدق هذا الادعاء؟ نعتقد أنه لا يمكن فهم مقولة سبينوزا بمعزل عن اقتناص مؤشرات ما توحي إليه خاصة في نصيه «الإتيقا» و»رسالة في اللاهوت والسياسة». للوهلة الأولى يبدو أن عبارة «الإله أو الطبيعة» لسبينوزا قد أجهزت على فكرة المتعالي الذي يدير العالم من الخارج، فبالنسبة إليه؛ الإله محايث، وهو تجسيد لباقي الموجودات. كما أنه هو الجوهر اللامتناهي الذي لا يوجد شيء خارجه، وكل ما يبدو امتداداً خارجياً، ليس سوى تجلٍ لهذا الجوهر. هكذا ردم سبينوزا الهوة الديكارتية بين الامتداد والفكر وأسس لطرح فلسفي يتماهى مع وحدة الوجود، لكن ببناء أكثر صرامة منطقية، سيكون له ما بعده في قراءة الأخلاق والانفعالات والرغبة.. بالمحصلة يمكن القول إن توليف سبينوزا بين الطبيعة والإله دحض القول بالغايات المسبقة. فقوانين الطبيعة لا تسري من أجل الإنسان، ولا من أجل غاية مسبقة. هذه الرؤية تضع الإنسان على قدم المساواة مع بقية الموجودات، وتحرره من وهم المركزية الأنثروبولوجية. لهذا يدعونا سبينوزا إلى فهم الضرورة الناظمة للطبيعة. وهي بمثابة دعوة علمية وأخلاقية منزهة، غايتها الأسمى هي الفهم وتحرير الإنسان من نير الانفعالات السلبية.
«الإله والطبيعة» بين القطيعة والامتداد
لا شك أن عبارة سبينوزا هذه ـ قيد التشريح ــ أحدثت جملة من الأصداء والقطائع في الفكر الغربي. شملت عديد المستويات؛ ثيولوجياً، وفلسفياً، وعلمياً. فعلى مستوى اللاهوت السياسي قطع سبينوزا مع التصور البطريركي للإله المتدخل خارجياً ـ بمعجزات أحياناً ـ الذي لطالما قدم مسوغات للسلطة الدينية خاصة الكنسية منها. ومن ثَمَّ سحب البساط من تحت المؤسسة الدينية التي تبرر سلطتها بأنها وسيط لإرادة الله. فإذا كان الله هو نظام الطبيعة الضروري. فلا حاجة لوساطة الكنيسة، بل نحتاج إلى العقل والدولة المدنية للقيام بتدبير شؤون الناس. أما على المستوى الفلسفي للمسألة، فبالإضافة إلى إعادة تجسير ثنائية الفكر والامتداد التي قال ديكارت بتمايزهما، فإن سبينوزا أعدم فكرة القول باستقلالية الإرادة التي نظن أنها حرة، ونتجاهل الأسباب الخفية التي تدفعنا لقول ذلك. هذه الفكرة ذاتها التقطها مجموعة من الفلاسفة على رأسهم فردريك نيتشه Friedrich Nietzsche الذي رأى في الإرادة الحرة وهماً لاهوتياً. يمكن القول إن أطروحة سبينوزا هذه شكلت معياراً وحافزاً في الآني ذاته، لمتون فلسفية عدة، سواء بشكل مباشر، أو غير مباشر. الحديث هنا بالخصوص عن كل من الفيلسوف الألماني هيغل Hegel والفرنسي جيل دولوز Gilles Deleuze فإذا كان الأخير استدعى سبينوزا للبرهنة على أن الرغبة والقدرة البشرية، نابعة من جوهر الحياة وليس امتداداً لسلطة متعالية، فإن هيغل استلهم منه فكرة «المطلق الواحد» وجعل هذا الجوهر يتحرك عبر سيرورة الجدل التاريخي.
لم يتوقف تأثير عبارة سبينوزا هذه عند حدود التصورات الفلسفية السابقة فقط، بل امتدت مفاعيله إلى صميم العلوم التجريبية والإنسانية، ويمكن تتبع هذا الامتداد في رحاب العلوم التجريبية، إذ نجد تأثير سبينوزا بادياً على أحد أهم عقول الفيزياء في القرن العشرين وهو، ألبرت أينشتاين Albert Einstein الذي كان يعتبر نفسه مؤمناً بإله سبينوزا، الذي يتجلى في انسجام الوجود، لا بإله يهتم بمصائر البشر وأفعالهم. وهو إله يمكن تفسير حضوره فيزيائياً، حسب رؤية أينشتاين للكون. بيولوجياً؛ فقد أسهم توليف سبينوزا بين الفكر والجسد في حل معضلة الوعي في الحقل النيوروبيولوجي؛ حيث يرى عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو António Damásio أن المشاعر ليست تشويشاً على الإدراك العقلي، بل هي ميكانيزمات بيولوجية لتعزيز بقاء الإنسان.
وفي ضفة العلوم الإنسانية والاجتماعية هي الأخرى؛ كان للعبارة السبينوزية هذه، بالغ الأثر، من دون أن يُعلن عن ذلك في كثير من المواضع؛ فإبستيمولوجيا التصور والتنقيب العلمي في هذه العلوم، خصوصاً عند التيارات الوضعية المرافقة لتأسيس هذه العلوم إبان القرن التاسع عشر، تبنت خطاب الحتمية الذي يُقوض من فاعلية الإنسان وحرية مبادرته، ويجعل منه عنصراً تابعاً لبنية نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية… ووفق هذا الطرح فالإنسان ليس سيداً على نفسه وعلى النظام الأيكولوجي، بل هو جزء لا يتجزأ من بنية متماسكة، وذات دينامية في التأثير المتبادل، يسري عليه ما يسري على بقية العناصر. وهذا الطرح يتساوق ضمنياً مع طرح سبينوزا حول كون الإنسان والطبيعة هما تجسيد لجوهر واحد.
التروي في القراءة بما هي فضيلة فلسفية وسوسيولوجية.
هذه المحاولة ليست سوى مسعى استقصائي، من بين مساعٍ عدة لرفع الغموض الإبستيمولوجي عن أطروحات فيلسوف ظلت عباراته مرتهنة لتباين التأويلات وتعدد الأفهام. وما أسعى هنا لقوله هو أن سبينوزا كان يمارس نوعاً من الكتابة المزدوجة، أو ما يسميه ليو شتراوسLeo Strauss « فن الكتابة بين السطور» فقد كان يكتب لنوعين من القراء: للعامة الذين قد لا يفهمون، وقد أساؤوا فهم سبينوزا، وللخاصة القادرين على رؤية ما وراء النص، وما المنهج الهندسي في الكتابة إلا احد وسائل سبينوزا في الإبلاغ. إن عبارة «الإله أو الطبيعة» تحمل هذا الازدواج بالضبط. يمكن للقارئ العادي أن يفهمها كتأكيد على وجود الإله في الطبيعة، ويمكن للقارئ المدقق أن يرى فيها تجاوزاً للتأويلات الميتافيزيقية، التي عمرت طويلاً. هكذا يظل فيلسوفنا كتاباً مفتوحاً، يَفهم منه المرء تبعا لمدى اتساع مداركه. كما يُغترف منه حسب ما استُجِدَّ من إشكالات في مختلف الأزمنة والعصور. ففي عالمنا هذا الذي يعج بأزمات مناخية وكوارث بيئية، تعود أطروحة سبينوزا لتصبح أكثر من مجرد تأمل فلسفي؛ بل لتصير دعوة لإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة على أساس العقل والضرورة، لا على أساس الاستغلال العمودي.
كتتويج لما سبق، يمكن القول إن الدرس الأكبر الذي يعلمنا إياه سبينوزا هو فضيلة التروي. فقراءته تتطلب أن نتحلى بالصبر نفسه الذي طالب به هو نفسه: «لا تضحك، لا تبكِ، ولا تكره، بل افهم». وبالتالي ففهم سبينوزا يعني أن نترك جانبا الحكم على ظواهر النصوص ومورفولوجيا الخطابات، وأن ننبري إلى استنطاق كوامنها. وهذا في حد ذاته جوهر التروي.
علي سكاك .. كاتب مغربي
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :