روسيا، من "كسارة البندق" إلى "الكلاشينكوف"

روسيا، من

 

Telegram

وصلت مطار دوموديدوفو الدولي لتبدأ الصرامة الروسية تظهر بكل معطياتها، لا أحد يبتسم أبداً، فهمت لاحقاً أن هذا جزءاً من ثقافتهم عكس الأوروبيين، إنهم هنا يعدّون التبسم للغرباء قلّة أدبٍ ونفاق لا مبرر له، إلى جانب أنهم يرون التبسّم المجاني هو إسراف بالمشاعر التي يحتاجها الأقارب! على العموم، يأتي الروس والأتراك والألمان في آخر قائمة الشعوب المضحكة في العالم. وأظن أن تلك القائمة عادلة جداً، عادلة للغاية.

 

ولكني دائماً ما أقول أن تلك الشعوب التي تتشاغل عن التبسّم لديها ما تفعله! وهو ما يؤكده الكاتب واللساني الإسباني رافائيل سانشيز فرلوسيو الذي يتحدث في فصلٍ موسعٍ عن الطرافة كنسق، والتظارف الممجوج في كتابه الهائل "القادم أسوأ"، إذ يقول: "عندما تتحول الفكاهة إلى نمط، فهذا لأنها قررت الانفصال بصورة مهذبة عن الأشياء الجادة حتى تتمكن هذه الأشياء الجادة ـ بدون إحراج ـ من ممارسة طغيانها المتغطرس، وهكذا يصبح التمرّد المزعوم للفكاهة ضد الأشياء الجادة اتفاقاً سريا بالتواطؤ". 

 

 روسيا البارة، وريثة الاتحاد السوفييتي المرعب، وريثة المعسكر الشرقي والأفكار الشيوعية وما لفّ لفّها من نظريات فلسفية وحروب متتالية، ساخنة وباردة، وثورات شعبية وعلمية واجتماعية أوصلتها إلى سدّة العالم. هذا الإرث الثقيل جعل روسيا تتحرك داخل كادر صورتها القديمة مع انزياحات لا تكاد تذكر، ما تزال مفردات العهد السوفييتي تبدو في كل اتجاه: أسلاك شائكة، سواتر ترابية، مصدات خرسانية، جنود وكلاب، مدنٌ سميت بالمدن المغلقة ظلت كما هي منذ ورثتها روسيا عن الاتحاد السوفييتي. صلابةٌ وحدّة في المعمار والزيّ والوجوه والقسمات والأغاني والنكات إن وجدت!

 

وبتتبّع المدن المغلقة التي تتسم بها ملامح موسكو بشكل لا يخفى على أحد، عرفنا إنه منذ الأربعينيات بدأ الروس يلحظون مجمعات سكنية هنا وهناك تحت اسم لطيف هو "صندوق البريد"، إلا أنهم لا يعلمون ماذا بداخل هذا الصندوق. تحركات أمنية وعسكرية متواصلة. وما زال حتى اليوم صندوق البريد هذا الذي تحول اسمه إلى "المدن المغلقة"، ويسمونها رسمياً: "تشكيلات إدارية إقليمية مغلقة". ويُتندر على الروسي أنه يخفي يوم ميلاده فكيف إن تعلق الأمر بالنووي مثلا؟ إن الروسي قطعاً لن يخبرك إنه ولد في6/9/1966.. بل سيقول لك ولدنا والدنيا خريف في أواسط الستينيات! 

 

المدن المغلقة.. سيرى كل زائر للمدينة تلك المجمعات اللافتة بحيث لا يمكن تجاهلها، إذ أنها تشكل في روسيا جزءاً حيوياً ومتسقاً مع البنية البصرية القاسية حتى في فخامتها والمتحفظة حتى في انفتاحها. وهي بذلك تشبه برلين جداً. موسكو وبرلين ما زالت تفوح منهما رائحة الحرب والدخان أكثر بكثير من باريس وروما على سبيل المثال. 

 

الروس يحبّون الأسرار، يحبّونها وينفلت حبّهم لها في كل شيء روسي، حتى الماتريوشكا، الدمية الروسية، هي في حقيقية الأمر تخفي سراً، وهذا السر يخفي سراً. دمية داخل دمية داخل دمية ..الخ الخ. تقريباً حتى المفاصل التاريخية في روسيا غير محسومة حتى اللحظة، على سبيل المثال حريق موسكو الكبير بعد انسحاب نابليون ما زال محل جدل، ما إن كان الفرنسيون فعلوها أم السكان المحليون، الثورة البلشفية سجلت في فبراير حسب التقويم المستخدم وهي في مارس، هنالك دوماً قطعة ناقصة من هذا "البازل" المدهش.

 

ماتريوشكا بداخلها ماتريوشكا إلى ما لا نهاية، لادا بجانبها لادا بجانبها لادا إلى أبد الآبدين، حتى الجواهرجي العظيم الروسي Fabergé غوستاف فابرجيه الذي أسس مع زوجته في بطرسبورج واحدة من أشهر شركات المجوهرات عبر التاريخ، والتي أصبحت المعتمدة للامبراطورية الروسية تمدها بأعمالها الذهبية والتحف الرفيعة، كان أكثر ابتكاراتها مبيعاً وحضوراً حتى يومنا هذا هو "بيضة فابرجيه" المرصعة بالجواهر والتي تخفي داخلها مفاجأة ما، الأسرار مرةً أخرى.. الأسرار.

 

 

كتبه هاني نديم

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram