كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
خفّ وهج الاستحقاق الانتخابي في قضاء بعبدا، كما في سائر الدوائر اللبنانية، ليس فقط بفعل الإرهاق السياسي والاقتصادي الذي يثقل كاهل اللبنانيين، بل أيضًا نتيجة التداول المتزايد في الكواليس حول إمكانية تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي لمدة سنتين. هذا الاحتمال، وإن لم يتحوّل إلى قرار رسمي بعد، ألقى بظلاله على مزاج القوى السياسية والناخبين على حد سواء، فأبطأ إيقاع الماكينات وجمّد اندفاعة التحالفات، وترك المشهد في منطقة رمادية بين التحضير الجدي وانتظار كلمة السر.
في بعبدا تحديدًا، حيث تختلط رمزية بثقل الإدارة المركزية لمحافظة جبل لبنان، يبدو الالتباس أكثر وضوحًا: هل نحن أمام معركة حتمية تستدعي حسم التحالفات سريعًا، أم أمام استحقاق قابل للتأجيل يُدار على نار باردة؟ بين هذين الاحتمالين تتبدّل الحسابات وتُعاد صياغة التموضعات.
ليست بعبدا دائرة عادية في جبل لبنان. فهي تضم ستة مقاعد (ثلاثة موارنة، مقعدان شيعيان، ومقعد درزي)، وتختصر توازنات دقيقة تربط رمزية الرئاسة بالثقل الإداري للمحافظة. أي حركة انتخابية هنا تُقرأ على نطاق وطني، حيث كل مقعد يحمل وزنه في معادلة القوى الكبرى.
حتى اللحظة، لم ينضج أي تحالف كبير بصورة نهائية. فبعدما ساد انطباع شبه محسوم عن لائحة تجمع الكتائب والقوات، عادت المفاوضات إلى نقطة التعثر.
هنا يبرز حلم مرشح الكتائب في “النمرة الزرقاء”، الذي لم يطل طويلًا. الحسابات الانتخابية والواقعية السياسية فرضت وقائع قاسية، إذ يعتبر متابعون أن الكتائب خارج هذا التحالف لا يملكون حاصلًا وازنًا في القضاء. وبينما كان الحلم قصيرًا، يغمز البعض بأن الخروج من التحالف جاء بردّ وسلام على المرشح الجنبلاطي، الذي يُقال إنه يتصرف في الجبل كما لو كان مفتاحه في جيبه.
على الضفة الجنبلاطية، يسري حديث عن مراجعة داخلية يقودها رئيس الحزب لأداء التمثيل في بعبدا، في سياق قراءة نقدية للمرحلة السابقة وحسابات المرحلة المقبلة، وسط نقاشات حول الأداء الرقابي والنفوذ المحلي.
أما على خط و، فالمشاورات لا تزال مفتوحة. ويشير مصدر مقرّب من الحزب إلى أن أي نقاش لا يكون النائب جزءًا منه لن يكون محل اهتمام، في إشارة واضحة إلى وزن الرجل في المعادلة. في المقابل، لم يحسم التيار خياره النهائي، رغم تداول أسماء عدة، ما يعكس تريثًا مدروسًا بين التجديد والحفاظ على التوازن التقليدي.
يعمل حزب الله على بلورة لائحة متماسكة، مع نقاش جدي حول ضم مرشح عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، مستندًا إلى حيثية انتخابية وازنة تقارب 3500 صوت. أما ، فلا يتجه لترشيح شخصية درزية، مكتفيًا بتوجيه مناصريه نحو خيارات حليفة، ما يضيف عنصرًا دقيقًا إلى معادلة الصوت الدرزي.
قوى “التغيير” تواجه اختبارًا جديدًا. بعض المتابعين يعتبر أن فرصة الحجز النيابي مرّت في الدورة السابقة، غير أن المحاولات لإعادة التموضع لم تتوقف، في مسعى لاقتناص نافذة داخل تحالف أكبر. أبرز هؤلاء المرشحين، ميشال الحلو، ينتظر جواب القوات بشأن انضمامه للائحة الاشتراكي – القوات، في خطوة قد تفتح له باب المشاركة لأول مرة بشكل فاعل.
حديث التمديد ليس مجرد كلام في الكواليس، بل يحمل انعكاسات دستورية هامة. ففي حال تمت الموافقة، ستتبدل حسابات الحواصل، ويؤجل التنافس على المقعد السادس، الذي أصبح نقطة التوتر الأبرز. الأرقام، الحسابات التفضيلية، والتحالفات المحتملة، كلها عوامل يمكن أن تغيّر المشهد سريعًا إذا انخفض سقف الانتظار إلى إعلان رسمي.
في بعبدا، لا يُحسم المشهد بخطاب مرتفع أو تسريب إعلامي. الأرقام وحدها تقرر: من يملك الحاصل؟ من يضبط الصوت التفضيلي؟ ومن يقرأ التحولات في المزاجين المسيحي والدرزي معًا؟
بين جدل التمديد وحلم “النمرة الزرقاء” ومفاوضات التحالفات، تبقى الماكينات تعمل بصوت خافت، والأعين تترقب المقعد السادس. في بعبدا، المفاجآت لا تولد يوم الانتخاب… بل في اللحظة التي يُحسم فيها الاتفاق الأخير، وتُغلق الأبواب على كل الاحتمالات المفتوحة. السياسة هنا ليست صراع شعارات، بل لعبة أرقام، وحسابات دقيقة، وخطوات محسوبة…
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :