البراغماتية الثورية: قراءة في السلوك التفاوضي الإيراني
كتبت :ليلى نقولا
تنطلق هذا الأسبوع مفاوضات إسطنبول المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، بحضور عدد من الدول الإقليمية بصفة مراقب.ويسعى الطرفان المعنيان، ومعهما العديد من دول المنطقة، لإيجاد أرضية مشتركة تجنّب الشرق الأوسط حرباً أميركية على إيران، وحرباً إقليمية كان قد هدد بها المرشد الإيراني السيد علي خامنئي.
ولفهم آفاق هذه الجولة التفاوضية، لا بد من تحليل البنية العميقة لعملية صنع القرار في إيران، والتي تتجاوز التوصيفات الإيديولوجية التبسيطية، التي تصف العقل والسلوك الإيراني بالمتشدد الثوري أو حتى سياسة "الذبح بالقطنة" التي تحاول الإشادة بقدرته على التملص والربح بالنقاط.
أولاً: جدلية القنفذ والثعلب
في مقال للمفكر والفيلسوف أشعيا برلين بعنوان "القنفذ والثعلب: مقال عن رؤية تولستوي للتاريخ"، يقول برلين: "يركّز القنفذ على شيء واحد كبير، ويربط كل شيء بنظام واحد، رؤية موحدة، أو مبدأ توجيهي شامل وعميق... بينما يعرف الثعلب أشياء كثيرة، ويسعى وراء أهداف متعددة، ويركّز على تنوع الأشياء".
وفي صياغة الاستراتيجية الكبرى للدولة، يعني هذا أن بعض الجهات الفاعلة في الدولة تُركز على هدف أيديولوجي مركزي (القنفذ). في المقابل، يُظهر آخرون مرونة تكتيكية واستعدادًا لاتباع مسارات برغماتية مختلفة (الثعلب).
بالنسبة للثقافة الاستراتيجية الإيرانية، يمكن أن نتصور أن المحافظين والحرس الثوري يعكسون شخصية "القنفذ"، بينما تمثل وزارة الخارجية وبعض الرؤساء الإصلاحيين (روحاني، بزشكيان) العناصر الأكثر برغماتية في النظام، إذ يشجعون على الانخراط الدبلوماسي مع المجتمع الدولي لتخفيف العقوبات، ويُعطون الأولوية للبقاء الاقتصادي والتطبيع الدبلوماسي على حساب التشدد الأيديولوجي.
وهكذا، يفسر التقلب الديناميكي بين هذين النهجين عملية صنع القرار الاستراتيجي الإيراني، ويشرح السلوك الإيراني في الساحة الدولية. وغالبًا ما تحقق الاستراتيجية الإيرانية الكبرى فعاليةً ونجاحًا عند تحقيق التوازن بينهما أو "احتضان التناقضات"، والأهم حين يتم تقسيم الأدوار بين هذين النمطين.
لذا، بناءً على ما سبق، يتطلب تحليل الاستراتيجية الإيرانية الكبرى فهم أي نمط هو السائد في وقت معين أو ضمن مجال سياسي محدد، وكيف تُشكل الديناميكيات الداخلية السلوك الخارجي.
ثانياً: دبلوماسية البازار
تثبت القراءة الموضوعية للتاريخ الدبلوماسي الإيراني أن الشخصية السياسية للدولة لا تنطلق من مبدأ "العداء لأجل العداء"؛ فالمعادلات الصفرية ليست المحرك الأساسي للاستراتيجية الإيرانية، بل تعتمد طهران مبدأ الخيار العقلاني الذي يحدد الأكلاف والأرباح ويسعى للربح النسبي.
يبرز هنا ما يصفه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بـ"'ثقافة البازار" كمرتكز بنيوي في السلوك التفاوضي؛ وهي ثقافة سياسية ترفض القطيعة المطلقة وتؤمن بإمكانية تحويل أي صراع إلى "صفقة" محتملة. بموجب هذا المنظور، يسعى صانع القرار في إيران الى استخلاص مكاسب استراتيجية من كافة وضعيات التفاعل الدولي؛ فالعداء والتفاوض ليسا نقيضين، بل هما أداتان في عملية "مساومة كبرى" تهدف لتقليل الأكلاف وتجنب الاستنزاف.
بناءً عليه، يتم توظيف التصعيد المدروس أو الصداقات التحالفية، وحتى سياسة "النأي بالنفس"، كتكتيك تفاوضي لرفع القيمة السوقية للموقف السياسي الإيراني قبل الوصول إلى نقطة التوازن النهائية.
ويمكن القول إن الثعلب- الدبلوماسي هو من سيتصدر مشهد "ثقافة البازار" على طاولة إسطنبول، ممارساً فن المساومة والمناورة لتحقيق أفضل المكاسب، بينما يظل "القنفذ" السيادي ثابتاً في الخلفية كصمام أمان، لضمان عدم انزلاق المفاوض نحو تجاوز سقف الثوابت الاستراتيجية.
ثالثاً: البراغماتية الثورية
يرتكز النظام الإيراني في حركته الدولية على ما يمكن تسميته بـ "البراغماتية الثورية". هذا المفهوم يعني القدرة على المواءمة بين الأهداف العقائدية طويلة المدى وبين الإكراهات المادية المرحلية. ومن منطلق "عقلانية البقاء"، فإن النظام الإيراني لا يتبنى سياسات انتحارية؛ بل يمتلك المرونة الكافية لتقديم تنازلات وظيفية بشرط أن تظل تحت "سقف الثوابت" السيادية.
في هذا الإطار، يمكن فهم حدود المناورة الإيرانية في إسطنبول كما يلي:
- التنازل الممنهج: قبول طهران بالتفاوض على مستويات التخصيب أو الرقابة التقنية يمكن أن يُصنف داخلياً ضمن "المرونة التكتيكية" لحماية بنية الدولة من الانهيار الاقتصادي أو العسكري.
- رفض الاستسلام: تعتبر طهران أن التنازل الذي يتجاوز سقف السيادة الوطنية أو يؤدي إلى تفكيك عناصر القوة (كالبرنامج الصاروخي) هو مسار نحو الاستسلام. والاستسلام في العرف الاستراتيجي الإيراني هو فعل انتحاري يؤدي إلى فقدان الشرعية الداخلية والردع الخارجي.
- الخطوط الحمراء: يظل فقدان القوة العسكرية التقليدية أو "التطبيع مع إسرائيل" خارج حسابات الربح والخسارة الإيرانية، كونه يمثل انتحاراً للهوية السياسية التي قام عليها النظام، وتهديداً مباشراً لمنظومة الأمن القومي والمبادئ الثورية التي قامت عليها شرعية الثورة الإسلامية في إيران.
في النتيجة، سيكون السلوك الإيراني في إسطنبول محكوماً بمعادلة دقيقة: الحفاظ على أمن النظام وتجنب المواجهة العسكرية الشاملة، دون الانزلاق نحو تقديم تنازلات تمس بالثوابت الاستراتيجية لأنه يدرك أن الاستسلام هو أقصر الطرق نحو الانهيار وفقدان الشرعية الداخلية والاقليمية.
ومع ذلك، تظل فاعلية "ثقافة البازار" الإيرانية رهينة بمدى وجود "مشترٍ" أميركي لديه الرغبة الاستراتيجية في إبرام الصفقة؛ فنجاح التفاوض في إسطنبول يتوقف على قناعة إدارة ترامب باستبدال خيار "التقويض الشامل" بقبول مبدأ "الربح النسبي"، وهو ما سيحدد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل البازار بذهنية التاجر الذي يبحث عن اتفاق مستدام، أم بذهنية المحاصِر الذي لا يقبل بأقل من التفكيك الكامل.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي