كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون نيوز
يمرّ لبنان في واحدة من أكثر مراحله دقّة وتعقيدًا منذ نشأته الحديثة. بلدٌ معلّق بين أزمات داخلية خانقة، وارتدادات إقليمية كبرى، وتحولات دولية تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يتقدّم استحقاق الانتخابات النيابية من كونه موعدًا ديمقراطيًا دوريًا، إلى كونه ورقة سياسية كبرى تُقاس بميزان المصالح، لا بروزنامة الدستور فقط.
لبنان اليوم ليس جزيرة معزولة. مصيره مرتبط مباشرة بمسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية، وبما ستؤول إليه التفاهمات أو التصعيدات في الإقليم. هذا الجو الضاغط انعكس على الداخل اللبناني في ملفات أساسية، من إعادة إعمار ما خلّفه العدوان الإسرائيلي، إلى شكل السلطة المقبلة، وصولًا إلى طبيعة المرحلة السياسية التي يُراد إدخال البلاد فيها.
في هذا السياق، يبرز عامل لافت: المجتمع الدولي، خلافًا لما يُعلن في العلن، لا يبدو متحمسًا فعليًا لإجراء الانتخابات النيابية في هذه اللحظة. الأسباب متعددة، لكن أبرزها أن الهدف غير المعلن من الاستحقاق، أي إحداث خرق في بنية الثنائي الشيعي، تبيّن أنه غير قابل للتحقق في المدى المنظور. تجربة الانتخابات البلدية الأخيرة أظهرت بوضوح أن هذا الثنائي ما زال متماسكًا وصلبًا، وقادرًا على تثبيت حضوره الشعبي، ما يجعل أي رهان على اختراقه انتخابيًا أقرب إلى الوهم.
داخليًا، الصورة أكثر تعقيدًا. في الكواليس، تكاد غالبية القوى السياسية تجمع – همسًا لا جهرًا – على أن التمديد للمجلس النيابي هو الخيار الأسهل والأقل كلفة في هذه المرحلة. كل طرف يملك حساباته، وكل كتلة ترى في التأجيل فرصة لتفادي خسائر محتملة أو انتظار تبدّل موازين القوى.
المفارقة الكبرى أن المكوّنين الأكثر تضادًا في المشهد السياسي، أي حزب الله والقوات اللبنانية، يلتقيان على الرغبة في إجراء الانتخابات. حزب الله يريد تجديد شرعية تمثيله الشعبي والنيابي في ظل كل الحملات التي تستهدفه داخليًا وخارجيًا. أما القوات اللبنانية، فترى نفسها في ذروة صعود سياسي وشعبي، وتعتبر أن الفرصة سانحة لتسجيل مكاسب كبيرة، خصوصًا أن معركتها الأساسية موجهة نحو رأس التيار الوطني الحر جبران باسيل.
لكن حسابات القوات تصطدم بعامل مستجد: جبران باسيل يعمل بهدوء على ترميم وضعه الشعبي والسياسي، وبرز في هذا الإطار انفتاحه المتدرّج على المملكة العربية السعودية. خطوة لم تمرّ مرور الكرام، وأغضبت سمير جعجع بوضوح، حتى وإن حاول إظهار امتعاضه على مضض. فعودة باسيل إلى خطوط تواصل إقليمية وازنة تعني أن التيار الوطني الحر ليس خارج اللعبة، بل يعيد التموضع استعدادًا لأي استحقاق مقبل.
في موازاة ذلك، تتعرّض قوى ما يُعرف بـ«التغيير» لضربة قاسية في المزاج الشعبي. استطلاعات الرأي المتداولة تشير إلى أن فرص عودتهم بأعداد وازنة إلى المجلس النيابي شبه معدومة، وربما لن تتجاوز أصابع اليد الواحدة. وهذا العامل وحده يفسّر لماذا لا تبدو هذه القوى متحمسة لمعركة انتخابية مبكرة.
أما على المستوى الدولي، فالصورة أوضح: الأولوية ليست لتجديد الحياة البرلمانية، بل للعنوان الأكبر الذي تُمارَس الضغوط لأجله، أي ملف سلاح المقاومة. من وجهة نظر هذه العواصم، إجراء الانتخابات الآن لا يخدم هذا الهدف، بل قد يعقّده، خاصة في ظل صعوبة تشكيل حكومة جديدة قادرة على السير بأجندة مشابهة لحكومة نواف سلام، أو الالتزام بالسقوف السياسية المطلوبة منها.
من هنا، يتقدّم منطق التأجيل كخيار واقعي في نظر كثيرين، حتى لو جرى تغليفه بخطاب دستوري يؤكد احترام المهل. المعركة الحقيقية ليست حول شهر أو سنة، بل حول شكل المرحلة المقبلة: هل ستكون مرحلة إدارة أزمة، أم مرحلة مواجهة كبرى، أم مرحلة تسوية شاملة؟
خلف الأبواب المغلقة، يدرك أكثر من طرف أن تأجيل الانتخابات ليس انتصارًا لأحد بقدر ما هو هدنة مؤقتة. الجميع يربح وقتًا، لكن الوقت نفسه قد يكون أثمن وأخطر لاعب في المعادلة اللبنانية. لأن ما سيحسم مصير الصناديق ليس الداخل فقط… بل ما ستقرره العواصم الكبرى على طاولات التفاوض.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :