مجلس السلام.. مبادرة “مضللة” لقطاع غزة أم بديل للأمم المتحدة؟

مجلس السلام.. مبادرة “مضللة” لقطاع غزة أم بديل للأمم المتحدة؟

 

Telegram

لقد أُنشئ مجلس السلام كجزء من خطة ترامب المكونة من 20 بندًا لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والتي عُرضت في أيلول 2025، وكان هدفها أن تكون هيئةً لتنسيق ومراقبة تنفيذ الخطة. واستندت الخطة نفسها إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني 2025، وحظيت بدعم واسع من معظم دول العالم، بما في ذلك جميع الدول الغربية التي رحبت بالقرار.

لكن النسخة الأخيرة من مجلس السلام، كما عُرضت في القمة الاقتصادية التي عُقدت في دافوس في كانون الثاني 2026، قوبلت بردود فعل متحفظة، بل ومعارضة شديدة من جهات عديدة في المجتمع الدولي. وينبع هذا الاعتراض من الفجوة بين الإطار الأصلي المحدود الذي وُضع للمجلس والترتيبات المنصوص عليها في الوثيقة التأسيسية (الميثاق)، والتي تحيد عن الولاية التي أنشأته، وتُنشئ تداخلًا، بل وتنافسًا مؤسسيًا مع الأمم المتحدة، وتمنح الرئيس ترامب، رئيس المجلس، سلطة مركزية واسعة.

أولاً وقبل كل شيء، يُثار جدلٌ مفاده أن إنشاء مجلس السلام بصيغته الحالية يُعدّ تجاوزاً للصلاحيات. فقد منح قرار مجلس الأمن رقم 2803 المجلس ولايةً محدودةً للتعامل مع إنهاء الصراع في قطاع غزة والسياق الإسرائيلي الفلسطيني. في المقابل، يُوسّع الميثاق صلاحياته كآلية عالمية لحل النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، دون الإشارة إلى غزة أو حصرها في هذا المجال. ويُنظر إلى هذا التوسع، في غياب قرار آخر من مجلس الأمن، على أنه انحرافٌ عن الولاية الممنوحة للمجلس والاتفاقيات التي شكّلت الأساس لدعم القرار.

إضافةً إلى ذلك، يبدو توسيع ولاية المجلس محاولةً لإنشاء آلية بديلة، وليست مجرد آلية تكميلية، للأمم المتحدة ومؤسساتها، التي ينصّ عليها ميثاق الأمم المتحدة باعتبارها الإطار المركزي لحفظ السلام والأمن في العالم. ورغم أن ميثاق مجلس السلام لا يذكر الأمم المتحدة صراحةً، لكنه يُشدّد على ضرورة الابتعاد عن “النهج والمؤسسات الفاشلة” وإنشاء هيئة دولية عملية “لبناء السلام”. يرى المعارضون أن مجلس السلام لا يُصلح إخفاقات النظام الدولي، بل يتجاوزه، في خطوة تُعتبر حلقةً أخرى في سياسة إدارة ترامب المُستمرة لإضعاف آليات الأمم المتحدة، إضافةً إلى الانسحاب من هيئاتها الرئيسية وخفض تمويلها. وقد لاقت هذه الخطوة معارضةً شديدة، لا سيما من الدول الغربية، لأنها تُقوّض ليس فقط مؤسسة الأمم المتحدة، بل أيضاً النظام العالمي متعدد الأطراف كما تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تُوليه هذه الدول أهميةً بالغة.

كما وُجّهت انتقاداتٌ لآلية اختيار أعضاء المجلس؛ إذ يمنح ميثاق المجلس الرئيس ترامب سلطةً حصريةً لدعوة الدول للانضمام إليه، وتمديد العضوية، بل وحتى طرد الأعضاء الحاليين، فضلاً عن إنشاء المجلس التنفيذي والهيئات الفرعية الأخرى أو تغييرها أو حلّها. علاوةً على ذلك، فإن العضوية الدائمة في المجلس لأكثر من ثلاث سنوات مشروطةٌ بدفع مليار دولار. ووفقاً للمُنتقدين، فقد أدى ذلك إلى آلية عضوية انتقائية وغير متكافئة، قائمة على اعتبارات سياسية وشخصية واقتصادية. كل هذا، بالإضافة إلى العلاقة بالكيانات الاقتصادية التي عينها الرئيس ترامب في المجلس الاستشاري، يثير مخاوف بشأن إدخال اعتبارات تجارية وعناصر فساد في أنشطة المجلس.

ثمة قلق آخر يتعلق بتمركز السلطة في يد الرئيس ترامب، الذي يشغل منصب رئيس المجلس؛ فقد صيغ ميثاق المجلس بطريقة تجعله خاضعًا لسلطته بالكامل. ورغم أن قرارات المجلس تُتخذ بأغلبية بسيطة من الدول الأعضاء، إلا أنها تخضع لحق النقض (الفيتو) الذي يملكه الرئيس، والذي لا يُمكن تجاوزه إلا بأغلبية مؤهلة من الدول الأعضاء.

علاوة على ذلك، يُكرّس الميثاق تعيين ترامب شخصيًا رئيسًا للمجلس، وهو تعيين غير مشروط باستمرار ولايته الرئاسية. ولا تنتهي ولايته إلا باستقالته أو بعزله بالإجماع من جميع الدول الأعضاء. كما تم وضع آلية لخلافة ترامب تسمح له بتعيين خليفته. وبالإضافة إلى كون هذا التعيين الشخصي غير مقبول، فإنه يعني أن المجلس قد لا يديره الرئيس الحالي للولايات المتحدة، وهو ما يُثير الشكوك حول مكانته ونفوذه في تلك المرحلة.

استجابة المجتمع الدولي

نتيجةً لذلك، لم يتبقَّ في مجلس السلام سوى مجموعة صغيرة من الدول التي انضمت إليه لأسباب سياسية واقتصادية في المقام الأول، ورغبةً منها في الحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن. أغلب هذه الدول غير ديمقراطية، وبعضها حتى من خصوم إسرائيل. من بين نحو 60 دولة تلقت دعوة شخصية من ترامب للانضمام إلى المجلس، لم تستجب سوى 26 دولة حتى الآن. ومن بين الأعضاء: السعودية، والإمارات، وقطر، وتركيا، ومصر، والأردن، وإندونيسيا، والأرجنتين، والمجر، وبلغاريا. كما دُعيت إسرائيل وقبلت الدعوة، لكنها لم تحضر مراسم التوقيع في دافوس. أما روسيا والصين، اللتان لم تُبديا حماسة لهيكل المجلس، الذي يُفترض أن يُخضعهما فعليًا للرئيس ترامب، فلم تُجيبا على الدعوة بعد. تجدر الإشارة إلى أن الرئيس ترامب ألغى دعوة كندا للمشاركة في مجلس السلام عقب الخطاب الحاد الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي في دافوس حول سلوك الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وهي خطوة تُشير إلى وجود اعتبارات شخصية في دعوة الدول للانضمام إلى المجلس.

في المقابل، رفضت معظم الدول الغربية دعوة الانضمام إلى مجلس السلام، بما فيها بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا. أيدت هذه الدول خطة ترامب المكونة من 20 بندًا والقرار 2803، الذي شكّل أساس إنشاء المجلس، نظرًا لقدرة ترامب على تحقيق وقف إطلاق النار، ولمصلحة أوروبا في استقرار قطاع غزة. إلا أنها غير مستعدة للانضمام إلى مجلس تتجاوز ولايته الاتفاقيات الأصلية، وتُعتبر خصائصه إشكالية. يُظهر رفض الدول الغربية عدم استعدادها للتوافق مع الإدارة الأمريكية ومنح الشرعية لآلية عالمية يُنظر إليها على أنها تتجاوز النظام العالمي متعدد الأطراف.

في ظل غياب الدعم من الأعضاء الدائمين الآخرين في مجلس الأمن، ودون تأييد يُذكر من الديمقراطيات الرائدة، الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، تتضاءل شرعية المجلس الدولية وتتقلص قدرته على ترسيخ نفسه كهيئة ذات سلطة واسعة. في الوقت نفسه، أوضحت الأمم المتحدة أن أي مشاركة لها في المجلس ستقتصر حصراً على سياق خطة ترامب لغزة، وفقاً لقرار مجلس الأمن. يُمثل هذا الموقف حداً واضحاً لمحاولة توسيع ولاية المجلس، ويُبرز عمق الخلاف المحيط بمستقبله، لا سيما مع وجود نية لتوسيع نطاق عمله ليشمل قضايا أخرى غير القضية الفلسطينية.

الآثار المترتبة على إسرائيل

كان انضمام إسرائيل إلى مجلس الأمن متوقعًا، نظرًا لطبيعة علاقاتها بإدارة ترامب، وتأثير المجلس المباشر على مصالحها. إضافةً إلى ذلك، يُعدّ المجلس خيارًا مفضلًا لإسرائيل على هيئات الأمم المتحدة التي دأبت على تبني مواقف معادية لها، وقد يُشكّل ثقلًا موازنًا للأطر الدولية التي تُعتبر تقييدية، حتى وإن لم يُصبح بديلًا حقيقيًا للأمم المتحدة.

فيما يتعلق بقطاع غزة، يمنح انضمام إسرائيل إلى المجلس نفوذًا على تصميم آليات الأمن وإدارة القطاع، مع السعي في الوقت نفسه إلى الحد من المخاطر الأمنية والعملياتية، والحفاظ على قناة تنسيق مباشرة مع واشنطن. مع ذلك، فإن تركيبة الدول الأعضاء، وانضمام دول مثيرة للجدل إلى المجلس، كتركيا وقطر وحتى السعودية، قد يُؤدي إلى عزلة إسرائيل عند اتخاذ القرارات، ويُشكّل ضغطًا سياسيًا على قضايا حساسة، منها حرية العمل العسكري، وخطوط وتوقيت انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتنفيذ عملية التسريح، وخطة إعادة الإعمار. يصدق هذا الأمر بشكل خاص في الحالات التي تتباين فيها مواقف إسرائيل مع مواقف الولايات المتحدة.

وبغض النظر عن القرارات المتعلقة بقطاع غزة، ومع توسع نطاق عمل مجلس السلام ليشمل نزاعات أخرى تتعلق بإسرائيل، مثل تصاعد التوترات مع سوريا ولبنان ودول أخرى في المنطقة، يبقى مدى تأثيره الفعلي على إسرائيل غير واضح في هذه المرحلة. فمن جهة، ونظرًا لاعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة، يُتوقع منها الاستمرار في تبني مواقف الرئيس ترامب، الذي يُعدّ العامل الحاسم داخل المجلس أيضاً. ومن جهة أخرى، فإن مجرد وجود آلية متعددة الأطراف أخرى، إلى جانب هيئات الأمم المتحدة التي لا تزال قائمة، قد يُقيّد حرية إسرائيل الدبلوماسية ويُحدّ من نطاق المزايا والمرونة المتاحة لها في التعاملات الثنائية.

ويزداد هذا الأمر تعقيدًا بسبب تكوين المجلس، الذي يضم دولًا إقليمية ذات مصالح لا تتداخل مع مصالح إسرائيل. في الحالات التي تنشأ فيها مصالح اقتصادية أو استراتيجية مشتركة بين هذه الدول والولايات المتحدة، ثمة خطر من أن تجد إسرائيل نفسها معزولة داخل مجلس السلام، وأن تُجبر على التعامل مع ضغوط أو قرارات لا تتوافق مع مواقفها. إن غياب دول غربية رئيسية، كألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، سيزيد من إضعاف قدرة إسرائيل على بناء ثقل موازن داخلي في المجلس، حتى في الحالات التي تتداخل فيها مصالحها مع مصالح هذه الدول بشكل واضح.

علاوة على ذلك، فإن مشاركة إسرائيل في المجلس تضعها في صف ترامب، وفي نفس المجموعة مع دول تُعتبر أقل ديمقراطية، مما يزيد من ابتعادها عن الدول الغربية.

الآثار المترتبة على تنفيذ الخطة في قطاع غزة

يُعدّ مجلس السلام الهيئة العليا التي تُوجّه جميع الآليات المُخصصة لتنفيذ خطة تسريح وإعادة تأهيل قطاع غزة، بما في ذلك المجلس التنفيذي لغزة، ولجنة التكنوقراط الفلسطينيين، وقوة الاستقرار الدولية. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول التداعيات المحتملة لتقويض شرعية مجلس السلام كهيئة عالمية، فيما يتعلق بتنفيذ خطة غزة، التي تُدار فعلياً من خلال المجلس.

فور طرح الخطة المكونة من عشرين بنداً، وُجهت إليها انتقادات واسعة من قبل الرأي العام والسياسي، بدعوى أنها تُصوّر الصراع في غزة كمشكلة إدارية وأمنية واقتصادية، متجاهلةً البُعد الوطني السياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فضلاً عن غياب أفق سياسي متفق عليه. وقد اشتدت هذه الانتقادات مع الكشف عن خطة إعادة الإعمار التي قدمها جاريد كوشنر في منتدى دافوس، والتي وصفها منتقدوها بأنها “منفصلة عن الواقع” وتخدم مصالح تجارية خارجية على حساب الشعب الفلسطيني. ويُصعّب غياب مشاركة دول غربية رئيسية في مجلس السلام إيجاد إطار من الشرعية الدولية يُمكنه احتواء هذه الانتقادات أو تخفيف حدتها.

أما فيما يخص التعاون الفعلي في تنفيذ الخطة في غزة، فالصورة ليست بهذه البساطة؛ فمن جهة، لا يستلزم عدم انضمام الدول الغربية إلى مجلس السلام انفصالها عن الخطة نفسها، إذ إن لهذه الدول مصلحة واضحة في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة وتحقيق الاستقرار فيه، فضلاً عن منع التصعيد الإقليمي. ومن جهة أخرى، ثمة مخاوف من أن يُنظر إلى التعاون الوثيق على أنه شرط أساسي لنموذج مجلس السلام الواسع، الذي تعتبره هذه الدول تجاوزاً للنظام العالمي متعدد الأطراف. علاوة على ذلك، قد يُشكل نجاح المجلس في غزة سابقةً تُعزز موقفه وتشجع على توسيع نطاق أنشطته لتشمل مجالات أخرى، وهو سيناريو تسعى هذه الدول إلى تجنبه.

في ظل هذه الظروف، من المنطقي افتراض أن المشاركة الغربية ستظل محدودة وانتقائية: المشاركة في مشاريع المساعدات الإنسانية والبنية التحتية الملموسة، والعمل عبر قنوات الأمم المتحدة القائمة، مع تجنب الاندماج في الخطوات العامة لتنفيذ الخطة. ومع ذلك، على المدى القريب، لا يُتوقع أن يُلحق غياب الدول الغربية عن المجلس ضرراً كبيراً بالتنفيذ العملي لخطوات الخطة في غزة، إذ لن تُسند إليها أدوار مركزية في هيئات التنفيذ أو في التمويل الرئيسي على أي حال. مع ذلك، على المدى المتوسط ​​والبعيد، يُثير الوضع الهش لمجلس السلام حالةً من عدم اليقين، وقد يُؤثر سلبًا على تنفيذ الخطة. من المتوقع أن يُعمّق فشل المجلس في غزة الانتقادات الدولية الموجهة إليه، ويُقلّل من رغبة الدول في دعمه، بينما قد لا يحظى النجاح إلا بشرعية جزئية يصعب الحفاظ عليها مع مرور الوقت. لذا، ورغم أن عواقب الرفض الدولي ليست فورية، لكنها تُلقي بظلالها على قدرة مجلس السلام على قيادة عملية مستقرة ومستدامة في قطاع غزة، لا سيما في الفترة التي تلي رئاسة الرئيس ترامب.

ملخص

يمثل مجلس السلام الذي أنشأه الرئيس ترامب محاولة أمريكية لإنشاء آلية بديلة للأمم المتحدة لإدارة النزاعات، إلا أنه يستند إلى شرعية دولية محدودة وهيكل مؤسسي مركزي وشخصي. ولا يعكس رفض الديمقراطيات الرائدة الانضمام إليه خلافًا تكتيكيًا محددًا، بل عدم قبول شرعية المجلس، نظرًا لأنه من المفترض أن يعمل خارج السياق الفلسطيني.

على المدى القريب، لا يُتوقع أن يُعرقل هذا الضعف تنفيذ بنود خطة النقاط العشرين في غزة بشكل كبير، والتي تعتمد أساسًا على الولايات المتحدة والجهات الفاعلة الإقليمية وآليات التنفيذ العملياتية. مع ذلك، على المدى المتوسط ​​والبعيد، ولا سيما بالنظر إلى الطبيعة الشخصية للمجلس واعتماده على الرئيس ترامب، فإن تآكل شرعيته قد يُقلل من الرغبة في دعم العملية، ويُضعف قدرة آليات التنفيذ على الإنفاذ واستدامتها، ويُفاقم خطر أن يؤدي فشل المجلس أو تراجعه إلى “عودة الفلسطينيين” و”المسؤولية” التدريجية لإسرائيل عن قطاع غزة، سواء على أرض الواقع أو في التصور الدولي.

 

تامي كانر وبنينا شارفيت باروخ

نظرة عليا/ معهد بحوث الأمن القومي

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram