ترامب يتحدث أكثر من اللازم، لكننا نعده بالرد في ساحة المعركة”، هكذا حذر قائد سلاح الجو في حرس الثورة الجنرال مجيد موسوي، الذي عُين في هذا المنصب في 14 حزيران بعد مقتل سلفه الجنرال أمير حاجي زاده في هجوم إسرائيلي. وأكد قبل عشرة أيام بأن إيران “في ذروة الاستعداد”، وأن الأضرار التي لحقت بإيران في الحرب السابقة تم إصلاحها، وأن قدرة إنتاجها العسكري ازدادت منذ ذلك الحين.
أقواله هذه تعكس الخطاب السائد في إيران الآن. فإلى جانب التقارير التي تفيد بنقل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى مخبأ، تواصل إيران بث تهديداتها وتحذيراتها حول ردها المتوقع. مع ذلك، في حين تغطي تقارير إسرائيلية وعالمية الاستعراض العسكري الأمريكي المثير للإعجاب الذي تحشده القوات حول إيران، فالغرض من هذه العملية العسكرية ما زال مجهولاً، وكذلك نطاقها المتوقع، والأهم: ما هي خطة الخروج من الحرب إذا اندلعت؟
التحديث البارز في الاستعداد للحرب يكمن في حقيقة أنه خلافاً للحروب الأخرى التي شنتها الولايات المتحدة في المنطقة، في أفغانستان والعراق والحوثيين، التي حرصت فيها على تشكيل تحالف دولي استباقي، يتوقع في هذه المرة أن تكون “حرباً أمريكية” فقط حتى مشاركة إسرائيل فيها غير مؤكدة. ترامب الذي جعل من إيران هدفاً “شخصياً” لا يهتم بغياب الشراكة الدولية. مع ذلك، الشرعية الدولية مهمة جداً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحرب ستكون عواقبها الإقليمية والدولية كارثية.
لا يسعى ترامب إلى تحقيق العدالة. فحصيلة القتلى المخيفة بسبب الاحتجاجات في إيران والتي تقدر بعشرات الآلاف تبرر الحرب ضد النظام الإيراني بوصفها “حرباً عادلة”، كما عرفها عالم الاجتماع والفيلسوف مايكل فولتسار. ولكن للأسف، العدالة والأخلاق لا تشكل المعايير التي توجه زعماء مثل ترامب، بل ما يوجهه هو حساب عقلاني وبارد للمصالح وطرق تحقيقها.
ورغم أن الإجماع الدولي الغربي – ومعظم دول المنطقة – يعتبر إيران عدواً أو على الأقل خصماً مهدداً، لكنه إجماع لا يصمد أمام الواقع. فالدول العربية اليوم، بما في ذلك التي اعتبرت جزءاً من “المحور المناهض لإيران” مثل السعودية والبحرين والإمارات ومصر، تستخدم ضغطاً شديداً على الإدارة الأمريكية لعدم شن الهجوم. بل إن السعودية وقطر أوضحتا بأنهما لن تسمحا باستخدام أراضيها كقاعدة انطلاق لشن هجوم على إيران. وهذه دول تعتبر من الدول المقربة جداً من ترامب والأكثر نفوذاً.
من وجهة نظرها، فإن تداعيات الحرب المتوقعة ضد إيران تتجاوز بكثير مجرد التساؤل عن عدد الصواريخ الإيرانية التي ستسقط في إسرائيل أو في دول المنطقة، وعدد المدنيين الذين سيقتلون أو يصابون أن يشردون. إذا كان الهدف هو إسقاط النظام، فمن المفروض أن يستخدم النظام كل وسائله المتاحة من أجل بقائه. ولن تشمل هذه الوسائل فقط مهاجمة القواعد والأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بل أيضاً تحويل كل المنطقة إلى “منطقة حرب” تشمل زرع الألغام في مضيق هرمز وإلحاق الضرر بمنشآت النفط وتفعيل المليشيات الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان وتجدد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.
يصعب قياس حجم الأضرار الناجمة عن سيناريو كهذا على الاقتصاد الدولي بشكل عام وعلى اقتصاد دول الخليج بشكل خاص، لكن يكفي فحص أضرار هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية وعلى فقدان مداخيل مصر من شل الملاحة في قناة السويس (إسرائيل في ميناء إيلات)، كي نحصل على فكرة ما عن المتوقع حدوثه بسبب الحرب الشاملة ضد إيران.
في الطريق إلى ترتيبات جديدة
إن التصادم واسع النطاق لا يعتبر غاية بحد ذاته، بل هو يهدف إلى فرض ترتيبات جديدة على إيران لم يتم التوصل إليها حتى الآن في القنوات الدبلوماسية. لذلك، أي تحرك عسكري يهدف إلى المرور في ثلاث مراحل أساسية: التهديد، والهجوم، وتغيير النظام. في هذه المرحلة، يهدف التحرك إلى إظهار “تهديد كبير” يضع النظام أمام معضلة “البقاء أو الرحيل”، على أمل أن يقرر خامنئي، في ظل اليقين في تطبيقه، اللجوء من جديد إلى مبدأ “المرونة البطولية”.
هذا المبدأ وجهه عندما سمح بإجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة في 2013، ووقع الاتفاق النووي في 2015، واستأنف المفاوضات مع الولايات المتحدة في بداية ولاية ترامب الثانية، رغم انسحابه من الاتفاق في 2018. وما زال هذا الخيار قائماً بحسب تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وتصريحات ترامب الأخيرة التي قال فيها “إيران تريد الحوار، وسنتحاور”.
لكن الشروط التي وضعها الطرفان لهذا الحوار على الأقل علناً، ورغم جهود الوساطة الكثيفة التي بذلتها دول المنطقة، لم تتغير. وما دامت هذه الشروط سارية فلا وجود لأساس عملي لاستئناف المفاوضات. مع ذلك، فإن احتمالية خيار التفاوض تشير إلى أن إسقاط النظام، وإن كان هدفاً نبيلاً، ليس هدفاً مستقلاً حتى لو ادى إلى إزالة رعب النظام القمعي والإرهابي عن الشعب الإيراني. ومن المفارقة أن هذه الخطوة بحد ذاتها جزء من مفاوضات تسعى فيها الولايات المتحدة “فقط” إلى استبدال شريك على فرض أن أي شريكاً آخر (نظام مختلف) سيكون أكثر استعداداً لقبول شروطها.
لكن المنطق النظري الذي يقوم عليه هذا النهج يتحطم أمام التجارب المأساوية التي شاهدتها العصور الأخيرة. فسقوط الاتحاد السوفييتي لم يفض إلى نظام روسي يسهل المصالحة بين القوتين العظميين، وأحدث تغيير الحكومة في العراق فوضى كبيرة أدت إلى سيطرة “داعش” على أجزاء في البلاد، وعادت “طالبان” إلى الحكم في أفغانستان، واليمن انقسم إلى دولتين، وما زالت ليبيا بعد القذافي تعاني من عدم الاستقرار، أما سوريا بعد نظام الأسد فهي في مرحلة التجربة المخبرية بانتظار النتائج.
المعارضة التي لم تتشكل
هنا لا بد من تحذير شديد من المقارنة التاريخية والسياسية التي تسعى إلى إيجاد قاسم مشترك بين الأحداث لاستخلاص استنتاجات متشابهة، رغم اختلاف ظروفها وأوضاعها وتعقيداتها. فإيران دائماً تقدم عرضاً مختلفاً.
التنبؤ بتغيير النظام يحتاج إلى قدر كبير من التفاؤل؛ فما من شريك جاهز في إيران للاستيلاء على السلطة بعد تدمير الطائرات القتالية الأمريكية وصواريخ التوماهوك لمحطات النفط التابعة لحرس الثورة، أو تدمير مباني الجمعيات الخيرية التي تدير مليارات الدولارات، أو حتى النجاح في القضاء على خامنئي. إن المعارضة في إيران هي مفهوم واسع وغامض، وقبل أي شيء آخر هي مفهوم مجزأ، عجز عن التوحد حول شخص أو قيادة متفق عليها. ولا يجب علينا انتقاد المعارضة في ضوء أساليب القمع الوحشية التي يستخدمها النظام والتي تشمل عمليات القتل الجماعي والاعتقال الجماعي والسجن لفترة طويلة والإعدام.
إن فحص حركات معارضة في إيران خارج الدولة، بعيداً عن أيدي النظام، يظهر انقسامات خفية فكرية أيديولوجية، وسياسية وشخصية، تصعّب إيجاد شخصية نظام بديل.
لنفترض أنه في ظل هجوم عسكري شامل على مؤسسات النظام ستشكل حركة احتجاج جماهيرية كبيرة، وتولد قيادة سياسية وتعلن بأنها صاحب البيت الجديد؛ فهل عليها لاحقاً مواجهة القوة العنيفة والقوية التي ستبقى على الأرض، من حرس الثورة والباسيج والشرطة وعصابات ومافيا التي وجودها مرهون بالنظام والتي من غير المتوقع أن تختفي من الساحة.
في السيناريو المتفائل الذي يصفه الباحثون والمحللون في إيران، يتوقع أن تشكل قوات الأمن قيادة بديلة، وفرض نظام عسكري، وربما البدء في التفاوض حول القضايا التي كان حلها يعتمد على المواقف المرشد الأعلى الأيديولوجية. بل إن هناك صورة متفائلة أخرى لهذا السيناريو، تصف وضعاً تتوصل فيه النخبة العسكرية إلى اتفاقات مع المعارضة المدنية لكسب شرعية داخلية ودولية لنفسها بدلاً من الشرعية الدينية والأيديولوجية التي خلقتها وحافظت عليها. مع ذلك، فإن هذا السيناريو يعاني أيضاً من نظرة شاملة وبسيطة تصور عناصر السلطة مثل كتلة واحدة متجانسة تتحدث بصوت واحد.
توقع انقسام في قوات الأمن
لا يوجد ما يضمن بأن الجيش الذي تم قمع مكانته لسنوات من قبل حرس الثورة سيتفق معه على طبيعة النظام المنشود في إيران، لا سيما مع ظهور انقسامات أيديولوجية داخل الجيش نفسه على مر السنين. ويتوقع أيضاً اندلاع صراعات داخلية على السلطة؛ ففي صفوف حرس الثورة انقسام بين من يتمسكون بفكرة الثورة الإسلامية حتى لو كان ذلك في ظل شروط أكثر مرونة، وبين من يعتبرون أن بقاءه وسيطرته على اقتصاد الدولة أهم من الأيديولوجيا.
ظاهرياً، يعتبر الانقسام في قوات الأمن، الذي سيضعف قبضتها على السلطة، نبأ سعيد بالنسبة للمعارضة، لكن إذا ما أدى هذا الانقسام إلى حرب أهلية تضاف إليها أعمال عنف من قبل الأقليات، فمشكوك فيه إذا كان لدى الحكومة المركزية الجديدة القدرة على مواجهة هذا التحدي الخطير، أو السلطة والشرعية المطلوبة للتوصل إلى اتفاقات بشأن الاستراتيجية والسياسة الخارجية.
الافتراض المحتمل الذي ربما يوجه من يخططون للهجوم هو أنه في ظل حالة من الفوضى وبعد تدمير جزء كبير من ترسانته العسكرية الاستراتيجية، لن يرغب النظام ولن يكون قادراً على تجديد التهديد الإقليمي الذي يمثله في الوقت الحالي. عندما لا يحظى سيناريو إقامة نظام ديمقراطي وليبرالي بديل بآفاق كثيرة، فإن القضاء على التهديد الإيراني، حتى على حساب الفوضى الحكومية والعسكرية، قد يعتبر إنجازاً جديراً بالثناء، إلى أن نتذكر التهديد الذي تشكله الدول الفاشلة والمسلحة على محيطها.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :