كتب رشيد حاطوم رئيس تحرير موقع ايكون_نيوز
وداع يتجاوز الحزن… حين يصبح الفقد لحظة وطنية
لم يكن وداع الأميرة نجوى مجيد أرسلان، شقيقة رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني الأمير طلال مجيد أرسلان، مجرد لحظة حزن عائلي، بل تحوّل إلى مشهد وطني كثيف المعاني، أعاد طرح أسئلة عميقة حول الرمزية، والاستمرارية، ومعنى الدور في بلد يعيش انقسامًا سياسيًا حادًا يكاد يلامس كل تفاصيل حياته العامة.
في لبنان المنقسم عموديًا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بدا مشهد المأتم استثنائيًا بكل المقاييس. قوى سياسية متخاصمة، ومرجعيات دينية من اتجاهات مختلفة، وشخصيات وطنية واجتماعية، اجتمعت في مساحة واحدة، لا تحت عنوان التسوية أو المصالح، بل تحت ثقل لحظة إنسانية صادقة، أعادت الاعتبار لمعنى اللقاء خارج الاصطفاف.
هذا المشهد لم يكن عابرًا، ولا يمكن قراءته بوصفه مجاملة ظرفية. هو انعكاس لمكانة البيت الأرسلاني، الذي يمتد تاريخه الوطني لما يقارب 1200 عام من المواقف والانحيازات الكبرى للدولة والكيان والتوازن، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. تاريخ لم يُبنَ على الصدام، بل على الحكمة، وعلى القدرة الدائمة على لعب دور جامع في اللحظات الدقيقة.
حضور الأمير طلال مجيد أرسلان في هذا الوداع حمل بُعدين متلازمين: بُعد إنساني مؤلم لفقد شقيقة، وبُعد سياسي–وطني أثقل، يتمثل في إدارة لحظة حساسة دون استثمار أو استعراض. بدا واضحًا أن الحزن لم يتحوّل إلى منصة خطابية، بل إلى مساحة صامتة تعبّر عن عمق الثقة والاحترام الذي يحظى به هذا البيت عبر مختلف البيئات السياسية والطائفية.
المشاركة الواسعة، خصوصًا من أطراف تقع على ضفتي الانقسام الحاد، حملت رسالة أبعد من المناسبة نفسها. رسالة مفادها أن بعض البيوت السياسية في لبنان لا تُقاس بوزنها النيابي أو الوزاري، بل بقدرتها على جمع المتناقضين حين تعجز السياسة عن ذلك، وعلى استدعاء المعنى الوطني حين يغيب الخطاب الجامع.
في هذا السياق، لم يكن وداع الأميرة نجوى مجرد محطة حزن، بل لحظة اختبار للرمزية والاستمرارية. اختبار نجح فيه البيت الأرسلاني بهدوء، مؤكدًا أن حضوره ليس من نتاج اللحظة، بل من عمق التاريخ، وأن دوره لم يكن يومًا ردّ فعل على التحولات، بل جزءًا من تكوين هذا البلد وتوازناته.
هكذا، تحوّل الفقد إلى رسالة غير معلنة، مفادها أن في لبنان، رغم الانقسام والضجيج، لا تزال هناك مساحات قادرة على جمع المختلفين، وأن بعض الأسماء والبيوت ما زالت تحمل من الرصيد الأخلاقي والوطني ما يجعل حضورها عابرًا للانقسام… وعابرًا للزمن.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :