ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف

ليلة الثلاثين من يناير.. الهجوم الذي غيّر مفهوم الشرف

تتربع حكاية "السبعة والأربعون رونين" على عرش الملاحم اليابانية الخالدة، لتشكل نسيجا مأساويا يتعدى كونه مجرد واقعة تاريخية عابرة.

 

Telegram

تحولت الحادثة إلى أسطورة شعبية تتنفس في الوجدان الياباني، وتتجلّى في أعمال مسرح الكابوكي والبونراكو التقليدي، ثم تنتقل إلى عالم السينما بسهولة، حتى غدت رمزا عالميا للإخلاص والثأر والواجب، يتخطى حدود "أرض الشمس المشرقة".

قوة تأثير هذه الملحمة المأساوية تكمن في جذورها الواقعية، في تلك الفصول الدامية التي حدثت على الأرض، لتصوغ مصير رجال وجدوا أنفسهم في مفترق طرق بين الشرف والوجود ذاته.

لإدراك عمق المأساة، يجب أولا استيعاب معنى كلمة "رونين"، ذلك اللقب الذي كان يشكل وصمة عار في جبين محارب الساموراي. الرونين هو ذلك الساموراي الذي فقد سيده، إما بموته أو بفقدان حظوته، فبات "يتيما" بلا قائد، وبلا راعٍ. في مجتمع الساموراي الصارم، حيث التناغم بين السيد والتابع هو أساس الوجود، كان فقدان هذا الرابط كارثة وجودية. لم يكن الأمر مجرد فقدان لوظيفة، بل كان خسارة للهوية والغاية والكرامة. لقد كان الرونين خارج النظام، بلا راتب منتظم، وإذا لم يعثر على سيد جديد بسرعة، كان مصيره إما التشرد أو الانحدار إلى عالم الجريمة لسد الجوع، وهو أمر يناقض كل المبادئ التي تربى عليها.

 

اندلعت شرارة هذه المأساة في فترة إيدو "1603-1868"، وتحديدا في عهد الشوغون الخامس من سلالة توكوغاوا، توكوغاوا تسونايوشي، الذي لُقب بـ "شوغون الكلاب" لشدة حبه للحيوانات وإصداره مراسيم صارمة تحظر إيذاءها، في تناقض صارخ مع العنف البشري الذي سيميز أحداث هذه القصة.

كُلف الداييمو الشاب، أسانو ناغانوري في عام 1701، بمهمة شرفية هي استقبال مبعوثين إمبراطوريين في قصر الشوغون في مدينة إيدو، طوكيو الحالية. لكي يؤدي المراسم بكل دقة، كان عليه أن يتلقى تعليمات من مسؤول البلاط المخضرم، كيرا يوشيناكا، الخبير في التفاصيل والطقوس المعقدة. لكن كيرا كان رجلا طامعا، معتادا على تلقي الرشاوى والهدايا الثمينة مقابل خدماته. ربما بسبب الاستخفاف أو المبادئ، قدم أسانو هدايا متواضعة أو لم يقدم شيئا، فقرر كيرا معاقبته بإهانته وتجاهله علنا، وحرمه من التعليمات الأساسية، ما عرض أسانو لموقف محرج أمام الجميع.

كانت الإهانة لا تُطاق. في قاعة القصر المقدسة، حيث يحظر التلويح بالسلاح تحت طائلة الموت، انفجر غضب أسانو وأقدم على عمل متهور، استل سيفه القصير "واكيزاشي" وضرب كيرا. لكن الضربات، رغم أنها تركته جريحا، لم تكن قاتلة. انتهك أسانو حرمة القصر، وأراق الدم في مكان مقدس. كان الحكم قاسيا وحتميا: الإعدام. ولكن نظرا لمكانته كداييمو، مُنح "امتياز" الانتحار الطقسي "السيبوكو" بشق بطنه. هكذا، في لمح البصر، فقد الساموراي التابعون لأسانو سيدهم، وتحولوا إلى رونين مشردين، وعليهم أن يحملوا خزي العار والغضب معا.

بعد الصدمة، اجتمع هؤلاء المحاربون يتقدمهم كبيرهم، أويشي كورانوسوكي، ليقرروا مصيرهم. دار النقاش حول خياراتهم المحدودة: البحث عن سيد جديد، أو اتباع سيدهم في الموت بالانتحار، أو سلوك طريق الثأر الطويل والمحفوف بالمخاطر. اختاروا الطريق الأخير، فقسم الـ 47 رونين على الانتقام من كيرا الذي اعتبروه المتسبب الحقيقي في مقتل سيدهم. لكنهم أدركوا أن كيرا، الذي يخشى بطبيعة الحال انتقامهم، سيشدد حراسته. لذا، خطرت لهم خطة ذكية تقوم على التضليل. تظاهروا بالتفرق والتشتت، وبدؤوا حياة ظاهرها يائس، فبعضهم انغمس في حياة السُكر واللهو علنا، وآخرون تواروا عن الأنظار، وكبيرهم أويشي تخلى عن منزله وأهمل شؤونه. أرادوا إيهام كيرا والجميع أنهم تخلوا عن شرف الساموراي، وأنهم مجرد رونين محطمين لا همَّ لهم.

 

استمرت هذه الخدعة المحكمة قرابة عامين كاملين. سنتان من الصبر الأسطوري، والتمثيل المتقن، والتربص الدائم. في ليلة الثلاثين من يناير عام 1703، حين هبت رياح شتوية قارسة على إيدو، حان وقت الحصاد. تجمع الرونين من مخابئهم، وتنكروا بزي رجال الإطفاء، وهو تمويه بارع في مدينة كانت الحرائق تهددها باستمرار. تحت عباءاتهم أخفوا سيوفهم ودروعهم، وانطلقوا في هجوم منظم ومفاجئ على القصر المحصن لكيرا. ما إن بدأت المعركة حتى تحول القصر إلى ساحة فوضى وصراخ. قاوم الحراس بشراسة، وسقط منهم 16 قتيلا وعشرات الجرحى، بينما ظل الرونين يفتشون عن غريمهم الرئيس.

اختبأ كيرا، خائفا مرتعدا، في مخبأ سري خلف جدار في مخزن الفحم. لكن يقظة الرونين ودقتهم لم تدع شيئا للصدفة. اكتشفوا الممر السري، واقتحموا مخبأه. وعندما عثروا عليه، قدموا له فرصة أخيرة لاستعادة شرفه المفقود: الانتحار طقسيا مثل سيدهم. لكن الخوف غلب على كيرا فرفض. عندها، قام أويشي بنفسه بقطع رأسه بالسيف. لم يكن القتل من أجل المتعة، بل كان تحقيقا للعدالة كما رآها. ثم غسلوا الرأس ووضعوه على قبر سيدهم أسانو في معبد سينغاكوجي، كتأكيد أخير على الوفاء للوعد.

كانت الخطوة التالية هي الاستسلام للسلطات. لقد أتموا واجبهم، وعرفوا أن ثمنه سيكون الموت. أرسلوا أصغرهم، كيتشيمون تيراساكا، البالغ من العمر 16 عاما، ليبلغ أرملة أسانو بنجاح المهمة، ثم استسلم الباقون.

 هزت القضية الرأي العام الياباني، فبينما رأت فيها السلطات جريمة قتل ممنهجة لمسؤول رفيع وتحديا للنظام، رأى أفراد الشعب والكثير من الساموراي فيها قمة الوفاء والشجاعة "غيشي". بعد جدل طويل، أصدر الشوغون حكمه: الإعدام. لكنه، اعترافا بنبل دوافعهم، منحهم شرف الموت كساموراي حقيقيين، بالانتحار الطقسي وليس بالإعدام بتقطيع الأوصال. في العشرين من مارس 1703، نفذ الـ 46 رونين العقوبة بشجاعة، ودفنوا بجوار سيدهم في معبد سينغاكوجي، حيث ما زالت قبورهم مزارا إلى اليوم. أما الشاب تيراساكا، فقد عفا عنه الشوغون لصغر سنه، وعاش حتى بلغ 78 عاما ليدفن لاحقا إلى جانب رفاقه.

لم تكن نهاية القصة مجرد عملية انتقام دموية، بل كانت إعادة كتابة للمصير. لقد استعاد الرونين، بموتهم، شرف سيدهم وعائلته، حتى أن بعض أملاك عائلة أسانو المُصادرة أعيدت إليهم لاحقا. لقد حولوا عار الرونين إلى أسطورة خلود. وأصبحت قصتهم مصدرا لا ينضب للإلهام الفني، من المسرح إلى الرسم إلى عشرات الأعمال السينمائية، لأنها تلامس ذلك التناقض الإنساني الأبدي: الصراع بين القانون المطلق والعدالة الغريزية، بين واجب الطاعة للدولة وواجب الولاء للضمير، وبين فن الحياة بشرف وفن الموت بشرف أعظم. إنها حكاية تذكرنا أن بعض القيم، رغم ثمنها الباهظ، تظل عصية على تموت.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram