«إندلينغ» للأوكرانية مايا ريفا: الحرب تقطع الرواية نصفين

«إندلينغ» للأوكرانية مايا ريفا: الحرب تقطع الرواية نصفين

 

Telegram

نشأ مصطلح «إندلينغ» في سياقٍ بشريّ لوصف آخر سلالةٍ عائلية، غير أنّه يُستخدم في الغالب بمعنى أوسع للدلالة على آخر فردٍ حيّ من نوعٍ بيولوجيّ معيّن، إذ ينقرض النوع بموته. وقد شاع هذا المصطلح في تسعينيّات القرن الماضي، ولاسيّما في سياق علم البيئة وانقراض بعض الحيوانات. وكغيره من المفاهيم المكثّفة والدالّة، تجاوز «إندلينغ» حدوده العلمية ليشقّ طريقه إلى الأدب، كما في رواية «إندلينغ»، العمل الروائي الأول للكاتبة الأوكرانية الكندية ماريا ريفا، الذي رُشِّح ضمن القائمة الطويلة لجائزة بوكر لعام 2025.

يحيل العنوان إلى حلزوناتٍ آيلةٍ إلى الانقراض، بوصفها آخر ما تبقّى من سلالتها، في استعارةٍ عن الفقدان والهشاشة والزوال. غير أنّ القصة لا تقتصر على ذلك، إذ ما تلبث أن تتطوّر فجأة إلى ما هو أبعد، حين غيّر الغزو الروسي مسار الرواية تماما، فحوّلت الكاتبة تركيزها للحديث عن أقاربها في أوكرانيا – أولئك الذين كانوا، مثل هذه الحلزونات، في خطر.

صدرت الرواية في صيف عام 2025 في نيويورك عن دار «دبلداي» في الولايات المتحدة، ثم عن دار فيراغو في المملكة المتحدة، وحظيت خلال أسابيع قليلة بإشادة نقدية واسعة، كما تُرجمت إلى 19 لغة، في مؤشر واضح على حضورها العالمي. وقد وُصفت بأنها «رواية تبدأ كفانتازيا وتنتهي كوثيقة» تمتاز بروح دعابة دقيقة ومراوغة. ورغم أنّ المشروع بدأ في الأصل بوصفه عملا أقرب إلى الكوميديا، أو نصا خفيفا عن البحث عن الحب وإنقاذ الحلزونات، فإنّ مسار الكتابة تبدّل مع الزمن، ليتحوّل إلى عمل أكثر جدّية وخصوصية، مشحون بأسئلة وجودية وسياسية.

 

المؤلفة في سطور

وُلدت ماريا ريفا في مدينة خيرسون الأوكرانية، وانتقلت مع عائلتها إلى كندا عام 1997، وهي في السابعة من عمرها. نشأت في فانكوفر، ودرست لاحقا في الولايات المتحدة، وتكتب باللغة الإنكليزية. تنشغل أعمالها عموما بتفكيك الحياة اليومية السوفييتية بوصفها أداة للنظام، وبحدود استقلال المجال الشخصي حين يخضع الوجود الفردي لمنطق الدولة. وقبل «إندلينغ»، أصدرت عام 2020 مجموعة قصصية بعنوان «المواطنون الواعون لا يخشون»، تدور أحداثها حول مبنى سكني في أوكرانيا خلال سبعينيّات القرن الماضي. ويتردّد في رواية «إندلينغ» خطٌّ مستوحى من تلك المجموعة، يتمثّل في تتبّع المبنى وتحولاته عبر الزمن.. ومع اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، وجدت ريفا نفسها أمام واقع جديد غيّر نظرتها إلى العالم، وانعكس بعمق على مقاربتها للكتابة. ولم يكن في مقدورها تجاهل ما يجري في وطنها الأم، فترك ذلك أثرا واضحا في بنية الرواية ومساءلاتها.

 

الحبكة

تبدأ الرواية بوصفها حكاية عن حلزوناتٍ مهدَّدةٍ بالانقراض، ثم ما تلبث أن تنفتح تدريجيا على سردٍ أكثر تعقيدا وتعدّدا في طبقاته، تتداخل فيه أسئلةٌ شخصية واجتماعية أوسع، وصولا إلى المأساة التي تفرضها الحرب. وفي قلب هذا السرد تقف إيفا، امرأة أوكرانية في الثلاثين من عمرها، انطوائية وكارهة للبشر، تنحدر من خاركيف وتعمل عالِمةَ رخويات. تجوب إيفا أنحاء أوكرانيا في شاحنةٍ مُعدَّلة تحوّلت إلى مختبرٍ متنقّل، تجمع فيها أنواعا نادرة من الحلزونات، في محاولةٍ يائسة لإنقاذها من الفناء، وبعضُها لا يضمّ سوى أفرادٍ معدودين، أو فردا واحدا فقط – «إندلينغ»، آخرَ ما تبقّى من نوعه.

ولتأمين تمويل أبحاثها، تعمل إيفا لدى شركةٍ كندية تُدعى «روميو يلتقي يوليا»، تنظّم ما يُعرف بـ«رحلات الرومانسية» لرجالٍ غربيين يبحثون عن زوجةٍ أوكرانية. وفي إطار هذا العمل، تسعى إلى زيادة أعداد المشاركين عبر دعايةٍ إلكترونية تمزج بين الوعود الزائفة والفكاهة الفجّة. ومن أمثلتها الادّعاء بأن «سرّ المرأة الأوكرانية وراثي»، بوصفه نتاجَ قرونٍ من الغزوات والاختلاط القسري، أو تصوير أوكرانيا بوصفها بلدا كاملا من النساء الجميلات والوحيدات في انتظار الرجل الغربيّ المنقذ. هكذا يتشكّل خيالٌ استشراقيّ لا يرى في أوكرانيا سوى جسدٍ مؤجَّل. غير أنّ إيفا لا تنوي الزواج أصلا، بل تتعامل مع الأمر بوصفه وسيلة لكسب المال لا أكثر. وخلال عملها، تلتقي بالأختين ناستيا وسولوميا (سول)، اللتين تتقمّصان دورَي «العروس» و«المترجمة»، بينما تسعيان في الواقع إلى العثور على والدتهما، الناشطة النسوية التي اختفت قبل ثمانية أشهر، وكانت قد احتجّت يوما على وكالة الزواج الأوكرانية نفسها التي تشارك فيها النساء الثلاث.

 

تخطّط الأختان لاحتجاز اثني عشر «خاطبا» أجنبيا وفضح الطابع المُهين لوكالات الزواج، فتوافق إيفا على مساعدتهما من خلال توفير شاحنتها بوصفها الأداة العملية لتنفيذ الخطة. ومن بين هؤلاء العزّاب يبرز باشا، المهاجر الأوكراني المقيم في فانكوفر، الذي يُكمل مع النساء الثلاث نواة الشخصيات الأربع التي تقوم عليها الرواية. يعود باشا إلى وطنه باحثا عن عروسٍ مثالية عبر المراسلة، علّها تساعده على إعادة وصل ما انقطع من ثقافة والديه، متخيّلا امرأة أوكرانية بسيطة يمنحها اسما شائعا مثل تانيا أو أوليا أو آنيا.

في الثالث والعشرين من فبراير/شباط 2022، تُنفِّذ النساء الثلاث خطتهنّ في كييف، حيث يستدرجن اثني عشر رجلا إلى الشاحنة، في حبكة تمنح «إندلينغ» – حتى تلك اللحظة – متعة رواية تبدو تقليدية نسبيا، قائمة على المغامرة والمفارقة. غير أنّ هذا الإيقاع ينكسر على نحوٍ صادم في اليوم التالي، الرابع والعشرين من فبراير/شباط، مع بدء سقوط القنبلة الأولى على المدينة؛ فتتوقّف المغامرة فجأة، وتنشقّ الرواية على ذاتها، ويتحوّل السرد نفسه إلى حطام لا تعود الحبكة قادرة على ترميمه، أو احتواء هول الحرب الحقيقي. عند هذه النقطة، تقريبا في منتصف الرواية، تتوقّف الحكاية حرفيا، وتظهر صفحة «شكر وتقدير» في غير موضعها، ليُعلَن انتهاء النص في لحظة يعترف فيها السرد بعجزه عن الاستمرار. وليس هذا كسرا شكليا أو لعبة سردية، بل إنه أثر مباشر لدخول الحرب إلى المتن دخولا يحطّم بنيته، بدل أن يوسّعها. أمام هذا العجز، تحطّم الكاتبة الحاجز الوهمي وتطمس الحدود بين الراوي والشخصية والقارئ، لا ادّعاء لإدارة المشهد، بل وقوفا عند عتبته، للإشارة إلى كارثة تقع خلف الستار، خارج قدرة الأدب على التمثيل أو الاحتواء.

 

الجزء ما بعد الحداثي

في دوّامة ميتاسردية مذهلة الطموح، وقاسية الصدق، إلى حدّ الوجع تنجح رواية «إندلينغ» في تحقيق توازن لافت بين الرعب والكوميديا، مستلهما خبرة الكاتبة ريفا الشخصية بوصفها أوكرانية تعيش في المنفى، تراقب من بعيد رقصة البقاء الهشّة التي يخوضها أقاربها خلف خطوط العدو… وبينما يتصادم الخيال والواقع على صفحات الرواية، تستكشف ريفا الحقائق القاسية للحرب: ما هي القصص التي يجب أن نرويها لأنفسنا لننجو، أو نستمر في روتين الحياة تحت الاحتلال العسكري؟ أما بالنسبة لنا نحن الذين نتابع الأحداث من الخارج: هل يُمكن استعادة شعورنا بالأمان والاستقرار، أم أنهما كانا مجرد وهمٍ هش؟

 

كيف تغيّر الحرب الفنّ

تجد ريفا، المواطنة الكندية من أصل أوكراني، نفسها مشلولة أمام الكتابة مع اندلاع الحرب، مثقلة بالذنب والقلق على جدّها الذي يعيش قرب خطّ المواجهة في خيرسون. يلاحقها صوت داخلي قاسٍ يوبّخها على ما يراه انتهازية وتمثيلا، فتسمع نفسها تقول لوكيلها إنّها، حتى في زمن السلم، كانت تشعر بالغثيان حين توظّف نمطين أوكرانيين مستهلكين: «عرائس المراسلة» والمتظاهرات عاريات الصدر. ويتمادى هذا الصوت في السخرية منها، قاطعا إياها بإحصاءات القتلى والجرحى، قبل أن يسألها بتهكّم: أيّ حقّ لها، وهي المستلقية في أمانٍ بعيد، أن تتحدّث باسم أوكرانيا أو تحتفي بلغتها من جديد؟

في مواجهة هذا الشلل، كادت ريفا أن تتخلّى عن الكتاب نهائيا، قبل أن تدرك أنّ الطريق الوحيد لمواصلة الكتابة هو إدخال هذا التمزّق نفسه إلى صلب الرواية. تساءلت لماذا ينبغي لها، بصفتها كاتبة، أن تبقى على الهامش بينما يعاني أقاربها في أوكرانيا، وكيف يمكن لقلقها الشخصي وتجربتها كابنة منفى، ومخاوفها على جدّها في خيرسون، أن تتحوّل من عبء أخلاقي إلى مادة سردية، حتى وإن كان المشروع الأدبي قد بدأ من موضوع مختلف تماما.. الرواية، التي كانت في بدايتها ساخرة وخفيفة، أصبحت أثقل وطأة، بعدما اغتنت بالمأساة الشخصية والتأمّلات الفلسفية حول مكانة الإنسان في التاريخ. وقد منح هذا التحوّل الكتاب بعدا غير متوقّع، فغدا ليس فقط عملا عن الأنواع المنقرضة، بل أيضا عن الحياة والموت في زمن الحرب.

 

دور الكاتب في زمن الحرب

تذكر ريفا في مقابلاتها أنّها ظلّت فترة طويلة عاجزة عن تحديد موقعها ككاتبة تعيش في الخارج وتراقب ما يحدث في أوكرانيا. فقد وجدت عائلتها وأقاربها أنفسهم في قلب مأساة مروّعة، وشعرت بأنها لا تستطيع أن تبقى غير مبالية. ومع مرور الوقت، توصّلت إلى أنّ عملها الأدبي ينبغي أن يكون جوابا عن الأسئلة التي كانت تؤرّقها: كيف يكون المرء كاتبا في زمن الحرب؟ وكيف تؤثّر هذه الحرب في نظرته إلى الفنّ والحياة، هذا التحوّل الداخلي والعمل النفسي العميق على الذات، شكّلا جوهر الرواية. فالكاتبة لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تمرّرها عبر عالمها الداخلي، وهو ما يمنح كتابها صدقا وإنسانية لافتين. تُعدّ «إندلينغ» شهادة مهمّة على الطريقة التي يتفاعل بها الأدب مع الكوارث العالمية. وإذا كانت الرواية في بدايتها موجّهة للقراءة الخفيفة، فإن انتقالها إلى موضوعات شخصية أعمق يجعلها، في النهاية، ليس فقط مرآة لزمنها، بل أيضا محاولة لفهم دور الكاتب في عصر التحوّلات الكبرى.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram