يقع فيلم «نورمبرغ» – الذي أخرجه ستانلي كريمر – ضمن متوالية الأفلام التي تعالج موضوع المحرقة أو الهولوكوست، وهي ثيمة دائمة الحضور تقريباً في السينما الغربية عامة. ذلك أن الفيلم يمثل مقاربة سينمائية لمحاكمات نورمبرغ، بوصفها سؤالاً أخلاقياً وثقافياً عن المسؤولية الفردية داخل النسق السلطوي، كما حدود العدالة.
أسئلة التاريخ
يتسم هذا النوع من الأفلام بمحاولة تمثيل التاريخ من خلال طرح أسئلة من قبيل: ما الذي حدث؟ وكيف حدث؟ وأسئلة أخرى تتعلق بالضحية، وتكويناتها، وفي بعض الأحيان تنحاز هذه الأفلام إلى معالجة تمثيل الجلاد، أو الجاني من خلال التركيز على ما قام به، فضلاً عن البحث في كوامن الشر، وأُسسه، وفي أحيان أخرى تذهب بعض هذه الأفلام إلى معالجة الخلفيات المؤسسة للفعل، ضمن المسألة الأخلاقية – ربما – من أجل إراحة الضمير الغربي، ومن هنا فهل الهدف من الفيلم يتمثل بنقد الفعل؟ أم إعادة إنتاج له ليكون أكثر تهذيباً وجمالية؟
ينهض العنوان على اسم المدينة التي جرت فيها محاكمة بعض القادة النازيين، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. ولعل هذا الاختيار يتأتّى من رمزية تحويل هذا الفضاء إلى جزء من أنساق سردية البحث عن العدالة، فالمكان مشحون بالذاكرة، حيث كانت المدينة مركز خطابات النازيين الاستعلائية والعرقية، كما شهدت تشكُّل الأفكار والقيم التي انطلقت منها أفعال الجلاد، التي تحوّلت إلى منظومة تبرير للعنف والجريمة. غير أنّ الفيلم يركز – إلى حد ما- على شخصية واحدة مركزية، هي شخصية القائد النازي هيرمان غورينغ، التي أدّى دورها الممثل راسل كرو.
في حين يمكن فهم حضور شخصية الدكتور دوغلاس كيلي، الطبيب النفسي في الجيش الأمريكي- الذي أدى دوره رامي مالك- حيث يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف المركبة، منها ما يتصل بدوره المهني في تفكيك الدوافع النفسية لغورينغ، بهدف إنجاح المحاكمة، وإحكام بنيتها القانونية، ومنها ما يقترب من دور شبه استخباراتي في مراقبة السلوك، واختبار ردود الفعل. وفي الوقت ذاته البحث عن مجد شخصي عبر وضع كتاب عن هؤلاء القادة لتحقيق الاعتراف الذاتي والمهني. وبين هذه الرغبات تتشكّل تقاطعات معقّدة تقوده إلى الاقتراب الإنساني من غورينغ، وعائلته، ولاسيما زوجته وابنته، مما يولد شيئاً من التعاطف، أو الإعجاب الملتبس، الذي يكشف هشاشة الحدود بين الفهم والتبرير. غير أنّ هذا المسار يتعرّض لاهتزاز عميق مع تقدّم المحاكمة التي يرأسها القاضي الأمريكي بمشاركة بريطانية وروسية، إذ تؤدّي مشاهد توثيق الجرائم والمواد الفيلمية الصادمة، إلى تحوّل حاسم في وعي الطبيب النفسي، ودفعه نحو الانحياز الأخلاقي لإنجاح المحاكمة، وكشف حقيقة الشر الذي حاول غورينغ تبريره بداعي الوطنية.
ولعلّ هذا ما يجعل الفيلم معنياً بمحاولة البحث عن تلك المناطق الحسّاسة والغائمة والبينيّة والرماديّة في قراءة السلوك البشري، وهو ما يتعلّق بمفهوم الشر الذي تحدّثت عنه حنّا آرنت في كتابها «تفاهة الشر»، حيث نظرت إلى الأفعال على أنها أقرب إلى إجراءات بداعي الطاعة والامتثال لا نتيجة شر كامن، ما يدفعنا لأسئلة تتعلق بمسلك القائد النازي، فهل كانت نتاج الوعي بالشر، أم بوصفه جزءاً من نموذج مؤسسي؟
حوار الغايات
اعتمد الفيلم على الصيغ الحوارية التي تتمركز على إنتاج الضحيّة اليهودية في الخطاب السينمائي الغربي، وتختزل بهذا الفيلم في شخصيّة الجندي الأمريكي الذي يعمل مترجماً للطبيب النفسي، والذي نكتشف في ما بعد أنّه كان ألمانياً يهودياً، وأنّ والديه ماتا في معسكرات الاعتقال. وعلى ما يبدو فإن هذه الشخصيّة مارست الكثير من الأدوار الدلاليّة، فعلى الرغم من الألم الساكن فيه، بيد أنه يرى في المحاكمة جزءاً من معنى دحر الشر، وتحقيق العدالة، وهذا ما نراه في الحوار الذي يجمعه مع الطبيب النفسي بالقرب من سكة القطار.
هذه المحاكمة عينها تقود حواراً عميقاً بين الطبيب النفسي والقاضي الأمريكي المكلّف بالادعاء على القادة النازيين، ففي أحد الحوارات يقول الطبيب النفسي: لماذا لا نقتلهم رمياً بالرصاص، وننتهي، فيكون رد القاضي بأن هذا ليس الهدف، إنما الهدف تحقيق العدالة عبر القصاص، حيث يجب أن يفهم العالم هذا المبدأ، فلو قمنا بقتلهم، أو تصفيتهم مباشرة، فإننا لا نعرف إن كانوا سيعودون بعد عشر سنوات أو عشرين سنة؛ ولذلك فإن المحاكمة تتخذ دلالة الفكرة، بمعنى تثبيت مفهوم الجريمة اللإإنسانية، التي ربما تتحول إلى ممارسة مبررة وظيفياً؛ ومن هنا تتخذ المشاهد التي تجري في المحاكمة بعداً شديد التأثير، ولاسيما استجواب القائد النازي الذي ينجح ضمن ما يمتلكه من خبرة وذكاء في عكس مقولة إنه لم يكن يعلم ماذا يجري في تلك المعسكرات، التي كانت مخصصة للعمل، وليس للقتل أو التعذيب، وبناء عليه فهو غير مسؤول، وعندما تصل الأحداث إلى نقطة حساسة تتمثل بفشل المحاكمة، يتدخل المندوب البريطاني، ويحيل الموضوع برمته إلى المسؤولية الكلية، فذلك القائد كان المسؤول الثاني بعد أدولف هتلر، وعليه فإن المسؤولية، وكل ما جرى في تلك الفترة تناط بقرارات القادة الكبار.
تشكل الحوارات ذات الطابع الإنساني بين الطبيب النفسي والقائد النازي قراءة تتجاوز إشكالية المحرقة إلى أبعاد أخرى تتصل بالأنا، بهدف استغلال ما في شخصية القائد النازي من نزعة متعالية بداعي الثقة بالنفس والغرور، فيذهب القائد النازي إلى تبرير الأحداث بوصفها جزءاً من منظومة تواجه تحدّياً وجودياً من قبل الآخرين، وأنّ أفعاله ليست سوى جزء من مشروع وطني وجودي للمحافظة على كيان الشعب الألماني أو ألمانيا (الكيان السياسي)، مع ضرورة الفصل بين ما حصل من تعذيب، وقتل بداعي حرب قائمة، فيذكر الطبيب بجرائم الحلفاء، وما ارتكبوه من فظاعات، ومن هنا فثمة من يرى أن الفيلم مال إلى تكريس تلك القناعات، التي سكنت وعي هذا القائد، وإيمانه بقضيته، حيث لا يتردد القائد بالتصريح عن إعجابه بهتلر، الذي أعاد الكرامة والثقة بالذات للشعب الألماني، ولاسيما بعد الحرب العالمية الأولى، ومعاهدة فرساي التي جرّدت الشعب الألماني من كرامته.
قد تفهم تلك الحوارات بوصفها محاولة لتفهّم الأبعاد التي قادت إلى هذه الأحداث، وإلى هذا الجنون الذي شهدته الحرب العالمية الثانية، بمقتل أكثر من سبعين مليون، وعلى ذلك فإنّ الفيلم يسعى إلى سبر أغوار المفاصل التاريخية، ولكن من منظور الكثير من وجهات النظر، أو الأبعاد، أو الرؤى.
من أشكال التحديات التي برزت في الفيلم، والتي تتعلّق بالمعنى الأخلاقي، فكرة مفهوم المحاكمة، ولذلك نجد أنّ القادة النازيين قد قاوموا في وعيهم تحقيق هذه الغاية، فادّعاء أحدّهم الجنون، وآخر رفض المحاكمة، ورجل ثالث انتحر قبل الإعدام، غير أنّ الإعدام الذي قام به القائد «غورينغ» بتناول مادة السيانيد قد كشف عن أثر هذه الشخصية، وقوتها على الصعيد النفسي، حيث تمكّن بخدعة ما من استخدام هذه المادة قبل أن يقوموا بإعدامه، وهو ما يمكن أن يُقرأ بمحاولة منه أخيرة للمحافظة على كرامته، وهنا ننتقل إلى جزء آخر يتصل بالأداء الفني، والأسلوبي للفيلم.
الأسلوب والتشكيل
على المستوى الظاهري ما زال هذا النوع من الأفلام حريصاً على تكريس نمط واقعي من خلال اختيار مواقع التصوير والمناخات التي تتصل بتلك الحقبة. ولعلّ من المشاهد الدالّة، التي نراها عندما تمّ نقل القادة النازيين إلى السجن، ورؤيتهم لمدينة نورمبرغ، التي سُويت بالأرض، ودمرت تدميراً كاملاً، حيث تتخذ البنية المكانية جزءاً من تمثيلات تلك المدينة، وما يتصل بها، ومن ذلك السجن الذي يفتخر القائد النازي بأنّه بناء ألماني، كما قُصفت قاعة المحاكمة، وهُدمت فأُعيد بناؤها ضمن قراءة ودلالة رمزية لإعادة المحاكمة.
أمّا من ناحية الأجواء والألوان فإنّها تبدو أثيرة للغة الواقع، أو للشكل الذي اعتادت هوليوود على إنتاجه عند تمثيل هذه الحقبة في التاريخ السينمائي، ولكن ما يُشار إليه ما يتصل بأداء راسل كرو، ولاسيّما من ناحية الشكل، فبنيته السِّمَنية التي ظهر بها، وتسريحة الشعر، وتلك الملابس، وأداؤه معظم المشاهد جالساً على المقعد، مع قدرة على التعبير، واستخدام اللغة والنبرة والصوت، جعل لهذه الشخصية حضوراً طاغياً، فمن خلال المزج بين مشهدية الأبيض والأسود بأثرها التاريخي والألوان، نقرأ محاولة لأرشفة الحدث، غير أن تموضع القائد النازي، واعتداده بنفسه، وصوته، وثباته جعله طاقة مهيمنة في قاعة المحكمة، وعند تحرك الكاميرا نرى وجوده الحاضرين المسكونة بمشاعر، وذاكرة الألم، وهنا يقع المشاهد في تجاذب بين الذنب، ومحاولة تفهم البعد الكامن وراء فعل الشر، إلى حد أنّ المشاهد عوضاً عن كره هذه الشخصية، قد يقع في دائرة الإعجاب بها. وفي المقابل نجد أداء رامي مالك الموفّق إلى حد ما، على الرغم من طبيعة أدائه النمطي، أو الذي يتّسم به في معظم أفلامه، غير أنه استجاب حقيقة للحاجة الوظيفية للدور المنوط به.
في حين نجد أنّ اختيار شخصية المترجم اليهودي الألماني، الذي يعمل في الجيش الأمريكي، باختيار وجهه الطفولي والبريء، والذي قد يبدو أنّه مبتسم بنوع من الرّقة، قد شكل نوعاً من أنواع التمركز حول إنتاج صورة الضحية، والتي تتقن هوليوود تكريسها. وعلى الرغم من أنّه كان ضحية، إلّا أنّنا نرى أنّ ثمّة إشارة بدت بسيطة، ولاسيّما حين قام بمساعدة أحد القادة الألمان عبر مساعدته في ارتداء ملابسه وقيادته إلى غرفة الإعدام، على الرغم من كراهية المترجم للقائد لمسؤوليته عن قتل المعتقلين، مع الإشارة إلى أن الضابط النازي يثق بهذا المترجم الذي كان في الحقيقة يهودياً ناجياً. ومن ثم يرى المترجم الضابط، وهو يُعدَم، ويبول على نفسه، وهذا ما عبّر عن رغبته في رؤيته في مشهد سابق. ولعلّ مشهد التبول قد شكل إحدى الدلالات التي ظهرت في الفيلم الذي افتُتح في مشهد واضح وقوي، ويتمثل برؤية جندي أمريكي أو جندي من جنود الحلفاء يبول على بناء أو جزء يظهر عليه شعار النازية، ومن ثم مشهد القائد النازي يحضر في سيارته ومعه زوجته وابنته، ليقدّم نفسه، ويستسلم.
نخلص إلى أن الفيلم تجاوز رغبة التوثيق، أو تمثيل حدث المحاكمة إلى غاية مساءلة الشر بوصفه نتاج ثقافة نسقية، ولكن من باب محاولة تعريف قيمة العدالة، بالتوازي مع تفعيل أثر الذاكرة في الوعي الغربي، ولكن يبقى الأمر منقوصاً، ولاسيما من لدن هوليوود التي تبدو انتقائية، حيث تتجاهل ضحية الضحية، ونعني الفلسطينيين، وغيرهم من ضحايا الإمبراطوريات الغربية على مرّ التاريخ، وهكذا نخلص إلى أن إشكالية علاقة التاريخ بالفن، حيث غالباً ما تحذف أحداث مقابل أحداث أخرى لدواع أيديولوجية واضحة.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :