رحلة الرئيس بري إلى الضّفة الأخرى
في السياسة، لا تُقاس التحولات دائماً بالانعطافات المفاجئة، بل غالباً بالخطوات الهادئة التي تغيّر الاتجاه من دون إعلان القطيعة. هكذا تبدو رحلة الرئيس نبيه بري في لحظة لبنانية وإقليمية بالغة الدقة: انتقال مدروس نحو ضفة أخرى، بعيدة نسبياً عن صلابة استراتيجية "الثنائي"، وقريبة من حساب الدولة وحدود الممكن.
منذ أشهر، لا يتصرّف رئيس مجلس النواب ضمن خطاب أحادي، بل كسياسي يوقّع باسمه على مسار مختلف. مواقفه الأخيرة، وحركة موفديه، وفي طليعتهم معاونه السياسي النائب علي حسن خليل بين عواصم القرار، تشي بأن بري يستكمل انتقالاً سياسياً هادئاً، لا يقوم على فك التحالف، بل على إعادة تعريفه. فالثابت عنده هو "حركة أمل" ودورها، أمّا المتغير فهو كيفية التموضع في لحظة انهيار التحالفات الكبرى.
في موقفه الأخير، "بصم" بري عملياً على كل خطوة يقوم بها رئيس الجمهورية جوزاف عون ومعه الحكومة. إعلانه الصريح أنه مع تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاري لم يكن أمراً عابراً، بل إقراراً واضحاً بقراري 5 آب و5 أيلول، اللذين رسّخا خطة حصر السلاح وبسط سلطة الدولة. هنا تتجلى نقطة التباين الأوضح مع حزب الله، الذي يرفض خطاب الرئيس عون ويهاجم قرارات الحكومة، فيما يختار بري الوقوف في الضفة التي تعتبر هذه القرارات مدخلاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الدولة.
خطاب رئيس الجمهورية أمام السلك الدبلوماسي جاء ليضع هذه الشراكة في العلن. حين تحدث عون عن إنجاز لم يعرفه لبنان منذ أربعين عاماً، وعن سيطرة الجيش والقوى المسلحة وحدها على جنوب الليطاني، سمّى بري شريكاً في هذا المسار. لم يعترض رئيس المجلس، ولم يناور، بل ترك موقفه السابق يؤكّد أنه في قلب هذا الخيار، حتى لو بدا ذلك خروجاً عن النمطية السائدة في الخطاب والتي اعتادها جمهور "الثنائي".
في الجنوب، حيث تختبر السياسة نفسها على الأرض، يظهر بري أكثر حرصاً على محاكاة بيئته. هو مع الانتقال إلى شمال الليطاني، لكنه يربط أي تثبيت دائم لهذا الواقع بإعادة الإعمار. ليس ذلك ازدواجية، بل مقاربة محسوبة لوجع الناس. بيئة تضرّرت بالحرب، وتسمع اليوم، في مجالسها، اعتراضات غير معهودة لأداء حزب الله وتوريط الجنوبيين في حرب لم تكن لهم فيها مصلحة. الإشكالات شبه اليومية بين أنصار الحزب وأنصار الحركة في القرى الجنوبية، وآخرها في بلدة كفرحتى، ليست حوادث معزولة، بل إشارات إلى خلل بنيوي داخلي يعرفه بري جيداً.
يقرأ رئيس المجلس المشهد الإقليمي والدولي ببرودة سياسية. يدرك أن لا الحزب نجح في ترجمة وعود خطابه السياسي، ولا الظروف تسمح اليوم بخطاب يشبه خطابات أمينه العام أو رئيس كتلته النيابية. وفي المقابل، يرى أن ما يُسمّى "المعارضة الشيعية" لا تزال أسيرة الشاشات ووسائل التواصل، تخلط بين عدد الإعجابات وتبدّل المزاج العام، من دون امتلاك مشروع أو قدرة تنظيمية حقيقية.
من هنا، يبدو بري كمن يقدّم نفسه حاجة لا خياراً. البيئة الشيعية، في لحظة ضياع بعد سُكر فائض القوة، تحتاج إلى من يقول لها إن المستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا يُحفظ بالمغامرات. تصريحاته عن السعودية، وتمكين الدولة، والتوافق كشرط لأي قرار في لبنان، ليست مجاملات دبلوماسية، بل إعادة تموضع واعية في قلب معادلة الاستقرار.
في لحظة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، يخرج طرف من "الثنائي" ليقول، عملياً: ثمة مستقبل يجب أن نحفظه، لا أن نتركه يتحوّل إلى مقبرة لجيل أرهقته حروب المصالح. هكذا يمشي نبيه بري نحو الضفّة الأخرى، لا كمن يقطع الجسور، بل كمن يعرف أن السياسة، في نهاية المطاف، فنّ البقاء.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي