يتشكل الشّعر كمحاولة يائسة للاستعادات المستحيلة، تُكتب القصيدة، ينهل الشّاعر من غربته ووحشته، وعالم يزيد من نكباته الرّحيل المزركش بالفجأة والمغادرة دون وداع. تترجّل القصيدة عند كل رحيل لتقول مرارة الفقد والعناوين التي عَلِقت بأقلام الرّاحلين ففقدت بوصلة الوصول إليها، وتكثّف الجهل بما كان يمكن أن يكون شعلة ضوءٍ نحو بعض الحقيقة: «أتساءل أنا وغيري/ممّن فاتتهم وجبة اليوم الثقافية للأبد».
منجز الكلمات بين الظّاهر والخفي:
ذلك كان الهاجس خلف كتابة الفقد المخاتل، الذي حضر دون استئذان، كان مجيئه معلنا للخسارة الفادحة، تلك التي ستغيّب وجها ثقافيا مستقرّا في الذاكرة: «ها أنت تغيب.. يا داوود/ليتأكد وجودك الأقوى». تغيب صولة الجسد والحضور الممجّد بالظل، ويبرز الغياب كلون من ألوان المقال حين يتحدّث اللسان فقط بما يمكن أن يكون حضورا في سطوة الغياب، لهذا كان عبد الحاكم بالحيا حزينا في مرسم الكلمات وهو يعْبُر نحو شاطئ الغياب كي يتكلّم من هناك، لعلّ القصيدة تشرب شيئا من التصديق في مقاربة الحقيقة. كانت كلمات مجموعته الشّعرية «نظّارة ويد وكيس فارغ» التي خصّصها لرحيل الكاتب والمترجم والقاص بوداود عميّر، تنجز الكثير من المعنى في الاقتراب من حالات الوجد، تلك التي لا يمكن أن نمحّص وجودها إلا بالانغماس في شظايا العلاقات وهي تقول ما خفي عن الظّاهر واقترب من الظل، وما سكنته الكلمات عبر الخطاب، وعبر المعنى حيث الكيان يتراءى وردة على تخوم صحراء لا ينبت فيها سوى الرمل والحجر: «بوداود لا يطالع صحف الصباح هذا اليوم، / لا ينزل إلى شارع الحياة». قُرْبى من بوداود تستطلع فيه منجز «الشّغف»، الشّغف الصّباحي بالخبز والكتاب، الحياة في مجالها الموسّع بالتجربة، تلك التي لا يمكن أن تكون سوى الجمع العصي بين السّنبلة والكلمة، العرق الحار على جبين الفلاح وهو يشاكس صهد الشّمس ويغنّي للتعب تلك الكلمات التي توالت عليها الأزمنة فانكتبت تاريخا للحضور وتاريخا للحياة.
شعرية الاستعادة والحضور ضدّ الغياب:
أن يُكتب نص عن راحل معناه أنّ محاولة الاستعادة مطروحة بشكل فنّي، إبداعُ طريقة ما لإبقاء وجه الرّاحل ماضٍ في الحضور رغم واقعية الغياب، لكنّ الشّاعر يرقب تحوّلات الذّات وهي تسير نحو النّهايات دون إدراكها للحظة الانقطاع عن ممارسة الحياة: «بوداود يا أصدقاء/هو من سيتصدّر الأخبار هذا اليوم/هو من صار خبرا بطعم الخبز السّاخن»، إخبار للمتلقي بأنّ مصدر الأخبار صار خبرا، صار معلومة يُستدل بها على نهاية فعل الحركة المنتجة للوعي. يُخبرنا الشّاعر وكانّه المعني مباشرة بفقدان الفاعل الثقافي الذي كان منذ لحظة يباشر مهمّته المعرفية، والسؤال الذي يطرح هو: هل يخبرنا بصفته شاعرا أو صديقا أو صديقا شاعرا؟
في كل الحالات يتأسّس الإخبار على اعتبارات حزينة تكشف علاقة ما، جعلت الشّاعر ينطلق من موقف وجودي ليجعل وطء الفقد خفيفا عليه بمقاسمته مع الآخر الذي يهمّه أمر الفقيد، أو تهمّه معرفته باعتبار القصائد بيان لإعلان الخسارة: «الآن تتم مراسم العزاء/في الحي الذي لفّ عزلته المختارة ردحا»، راهن القصيدة هو راهن الفقد، راهن مواكبة الشّاعر لمراسم العزاء في المكان الذي تؤثّثه ذاكرة اللقاء، لقاء الفقيد المعتزل اختياريا، وهو ما يُذكّر به الشّاعر المتلقي حتى يتوافقا على تثمين فعل عزلة الذّات إذا كانت النّهاية ترسّم الرّحيل باعتباره رحلة فردية مقدّرة، وبالتالي. تجعلنا الحركة الشّعرية في السياق موزّعين بين لحظة وجودية منتجة للذّات في عزلتها المختارة ولحظة هوية وجودية مدمجة في مسار الفناء غير المعلن في منظورات الإنسان: أتساءل أنا وغيري/ممّن فاتتهم وجبة اليوم الثقافية للأبد/ماذا ستقرأ في الملأ الأعلى يا بوداود؟». يُشرك الشاعر المتلقي في هواجسه الملقاة على الغياب المفاجئ للرّاحل، الذي يدرك أنه سلك طريق الفناء/الغياب، لكن لا يؤسّس منطق شعرية الاستعادة على هذا الفراغ الذي يحدثه العبور نحو «الملأ الأعلى» كما تسميه القصيدة، لأنّ هناك فرقا بين مسارٍ ومسار، مسار العقل ومسار الجثة، مسار المادّة ومسار المعنى، «الملأ الأعلى»، الجملة التي ستحدّد وظيفة الرّاحل وهو يورّث ما كتبه وما قرأه في خلال وجوديته الفاعلة، المؤسِّسة للعقل، لذلك كان «الأعلى» مسارا علويا يلغي قبورية المشهد الغابر للجسد: «هل ستكتفي بمنشور واحد كلما ذكرتنا؟/أم ستغدق علينا بما لا سمعنا ولا رأينا/من أنباء العالم الآخر»، يعلم الشّاعر أن لا شيء من هذا سيحدث، لكن الوعي الشّعري بثقل الرّحلة نحو «الأعلى» هو الذي يحرّك مخيال الكلام الأرضي، لعلّه يصل إلى معادلة لاستمرارية وضعٍ بسكونه المفعم بالكتابة والمشاركة المعرفية وفق علاقات نجهلها، وفي ذلك الجهل تتركب الصّور الوهمية لعالم علوي لنا فيه ذوات عن طريقها سننسج تواصلنا الحسّي المستحيل معه، ولهذا تبقى نفس تفاصيل كينونة الذّات الرّاحلة معلّقة على مخيالٍ لِلاَّنِسْيَانْ كلحظة ثابتة في معلم الزّمن اللاثابت.
المعيارية التنازلية في العنوان:
رسم العنوان «نظارة ويد وكيس فارغ» عناصر الذّات الرّاحلة وفق معيارية تنازلية تشدّها إلى الأرض، عكس مسار الرّحيل الفجائعي الموسوم بمعيارية تصاعدية «الملأ الأعلى»، فبدأ حيث ترتبط عيناه بما هو مركز التّعبير، «نظّارة»، فالوجه كاشف للوضع النّفسي، وهو فضاء العين التي تحيل إلى المعنى، ومنها الرّؤية، ثمّ بعد ذلك ألــ «يد»، باعتبارها أداة التواصل الحسّي، وتحقيق الأشياء التي تتقاسمها الذّات الشّاعرة مع الذّات الرّاحلة، وتنتهي العلاقة التّنازلية بـ «كيس فارغ»، والذي لا يحيل إلاّ إلى الخروج الأخير الذي لا عودة منه بامتلاء، فالفراغ علامة الرّحيل والانتظار دون جدوى. التركيز على النظّارة هو ما يكرّس التعلّق الشّديد بمن رحل، فالعين تمرّر إلى الذّهن صور الواقع، إنّها الأداة التي تحقّق للذّات امتلاءها بصور العالم، ولمّا تأكّد الشّاعر من أنّه لم تبقى من كينونة الرّاحل سوى الصّورة، تشكّلت لديه إرادة الاستعادة الشّعرية المتنبّهة إلى حالة الفقد، ولم يستطع الوعي تجاوزها، ولهذا كان الفراغ تعبيرا ملازما لحضور الذّات في غيابها، إنّه الجرح النّرجسي بتعبير فرويد. «كيس فارغ»، تعبير بالغ الدّلالة لإنتاج نموذج الغياب المؤسّس على حضور قوي، فجميع الزّمن الماضي كان ممتلئا، وحداته تعبّر عن وجودية فاعلة، هوّة الفراغ المفاجئة أسقطت الذّات المتلقية بعد معرفتها نصّا بالذّات الرّاحلة في فجوة الانقطاع، وهو ما أدركه الشّاعر فجهد نفسه في جبره عبر الملامح الشّعرية النّابضة بالحركة المتخيّلة في اللغة التي تعوّض الحركة الواقعية في العالم.
لحظة الفجيعة وعي الإضاءة:
يعود الشّاعر إلى وعي اللحظة بعد أن مضى في الكلام محاولا استدراك لحظة الفجيعة، رائيا لها من خلال القصيدة التي ربّما تقول بوداود، يعود إلى ذاته ليؤكد الفقد: «أنا لا أقول بأنّ موتك صدمة كبرى.. فقط/أنا لا أقول بأنّ فقدك فاجعة»، تأكيد الموت هو وقوف أمام مرآة الحقيقة الوحيدة التي يخضع لها كل كائن مهما اختلفت طبيعته، لكن اعتراف الشّاعر أمام ذاته وأمام متلقيه، من يعرفون الفقيد ومن لا يعرفونه بأنّ موته أكبر من مجرّد «صدمة كبرى» أو «فاجعة»، يعني هناك علاقة بين وضع وجودي في مقابل وضع الرّاحل، أي أنّ بوداود كان وسيظل بمثابة القيمة في مواجهة اللاقيمة المتمثّلة في ما كان يعيشه ضمن بيئة لم تقدّر وجوديته، ولهذا يعدّد الشّاعر «أنا لا أقول» للتأكيد بأنّ رحيل بوداود هو كل تلك الفداحات الممكنة، بل أكبر من ذلك، إلى أن يلمس الواقع في لحظة تجمع بين القيمة المفقودة (بوداود) وما كان ينتصر له كأمل (المستقبل): «هم يقطعون عن الصبي الكهرباء../ونحن نختصر القضيّة في القصائد».
الصبي هو المستقبل، هو القادم في الزّمن، هو الاستمرار في الوجود، وربطه بالكهرباء انقطاعا هو الخلل في إمكانات رؤية المستقبل المثبت رمزيا في «الضّوء» باعتباره لا يتحقق إلا بوجود الكهرباء، لكن يعود الشّاعر إلى الواقع ليؤثّث حقيقة الخيبة فيه بالشّعر الذي لا يمكن أن يُنتَبَه إليه في ظل تغوّل المادة. إنّ الوحدة الدّلالية بتعبير جوليا كريستيفا بين الكهرباء والشّعر هو لحظة «الإضاءة».
ظل الاختفاء ظل المجاز:
إذ يتوسّد الجدار ظل الطوب، تتنامى في الخفاء أشياء الطّين أو الإسمنت، تلك مواد اللصق التي تشكل مادّة المكان، كان بوداود شعريا مادّة مؤَلَّفٍ تتراصف كلماته لتشكل ظل الاختفاء، العبور نحو اللاوجود: «سار للموت/مثلما يتسلّى بمجاز/يريد للنص قطفة». تحوَّل الموت إلى مجازٍ بفعل الكلمة، لأنّها معنى، وتتأسّس انطلاقا من احساس الإنسان بما تنتجه تراكيبها في ذهنه الخلاّق، وبالتالي، يصبح الموت مثل الكلمة التي ننقلها من مجال القاموس المحدود لنزرعها في فضاء التأويل اللامحدود، فيكون الموت المجاز كمعادل موضوعي للحياة المجاز. الانتقال بعيدا شيء من الحياة قريب من الموت لأنّ ما يحكمه هو الاختفاء، فالبعيد معزول عن مجال الرّؤية، لكنّه قريب من القلب كما في التعبير الدّارج، أي أنّه في مستوى تخييلي/وجودي قريب من الحياة التي تتأسّس في الوعي العارف انطلاقا من النص، الذي لا يمكن أن تنبثق تجلياته إلا من التّجربة، وذلك المعنى الثّقافي المضمر في الجملة الثّقافية بتعبيرات النقد الثقافي: «يريد للنص قطفة»، هو بوداود السّائر في مجازات الموت باعتبارها دوالا ستسكن نصّه الباقي (النص التراث)، الذي سوف نقرأه من مقاربات المجاز بين كينونتي الحياة والموت.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :