يشهد المشهد اللبناني في المرحلة الراهنة تداخلًا واضحًا بين المسارات السياسية والأمنية, في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للنقاط السبع وتواصل الاعتداءات اليومية, مقابل تقدّم الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه جنوب الليطاني, حيث يواصل انتشاره وبسط سلطة الدولة على الأرض, باستثناء النقاط التي لا تزال تحت الاحتلال. ويأتي ذلك في وقت تتكثّف فيه النقاشات الداخلية حول مسألة حصر السلاح بيد الدولة وامتلاكها قرار السلم والحرب, في ضوء اتفاق وقف الأعمال العدائية وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة.
وفي هذا الإطار, برزت مواقف متباينة في الداخل اللبناني حيال هذا الملف. فقد قال الشيخ نعيم قاسم, أمس السبت, إنّ الدولة أصبحت مسؤولة عن أمن لبنان وشعبه بعد معركة "أولي البأس", معتبرًا أنّ هذا الأمر يشكّل مرحلة جديدة. وفي المقابل, شدّد قاسم في الموقف نفسه على أنّ السلاح سيبقى في أيدي المقاومة, وأنّ مسألة حصره بيد الدولة غير مطروحة في المرحلة الراهنة, مشيرًا إلى أنّ أي تقديم إضافي أو تنازل, وفق تعبيره, من شأنه أن يضعف لبنان.
وتتزامن هذه المواقف مع تحضيرات لبنانية متقدّمة لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي المقرّر عقده في باريس في الخامس من آذار المقبل. وتعتبر الدولة اللبنانية أنّ هذا المؤتمر يشكّل محطة أساسية لتأمين دعم مالي وتقني وتسليحي للمؤسسات العسكرية والأمنية, بما يساهم في تعزيز الاستقرار واستكمال خطة بسط سلطة الدولة. وفي هذا السياق, عُقد اجتماع أمني رفيع في قصر بعبدا, يندرج في إطار توحيد الرؤية السياسية والأمنية قبل التوجّه إلى باريس.
وأشارت مصادر وزارية إلى أنّ التحضيرات تشمل إعداد تقارير تفصيلية عن حاجات الجيش وقوى الأمن, سواء على مستوى الجهوزية العملياتية, أو الدعم اللوجستي والتقني, إضافة إلى معالجة التحديات المرتبطة بالوضع المعيشي للعسكريين. كما يجري التركيز على إبراز مستوى التنسيق القائم بين مختلف الأجهزة الأمنية, باعتباره عنصرًا أساسيًا في مقاربة الدولة لملف الأمن والاستقرار.
على الصعيد الجنوبي, تستمر الاعتداءات الإسرائيلية, في وقت لا يزال عمل لجنة الإشراف على وقف إطلاق النار "الميكانيزم" متعثرًا. وأفادت مصادر مطلعة بأنّ موعد الاجتماع المقبل للجنة لم يُحدّد بعد, في ظل تعنّت إسرائيلي وعدم التزام بتنفيذ بنود الاتفاق, إضافة إلى غياب رئيس اللجنة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد عن لبنان. وأشارت المصادر إلى أنّ لبنان يطالب بوقف الاعتداءات, والانسحاب من النقاط المحتلّة, وإعادة الأسرى, معتبرًا أنّ أي بحث سياسي يبقى سابقًا لأوانه قبل تنفيذ هذه الالتزامات.
وفي موازاة ذلك, تتواصل الجهود الدبلوماسية اللبنانية لإنجاح مؤتمر باريس, حيث أفادت مصادر رسمية بأنّ رئيس الجمهورية يتابع شخصيًا هذا الملف ويجري اتصالات مع الدول المعنية, فيما تلعب فرنسا دورًا محوريًا في الإعداد للمؤتمر. وتراهن الدولة على أن يساهم الدعم الدولي في تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية, وضبط الحدود, ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة.
إقليميًا, تتقاطع التطورات مع المشهد اللبناني. ففي قطاع غزة, يعيش السكان في ظل مساعٍ دولية لإطلاق آليات جديدة للإشراف على وقف إطلاق النار, وسط تباينات حول تركيبة هذه الآليات ودورها. وفي السياق نفسه, برزت مواقف أميركية وإسرائيلية متباينة حيال هذه الطروحات, في وقت أظهرت استطلاعات وآراء من داخل القطاع تشكيكًا بجدوى هذه المسارات.
أما على خط إيران, فقد عاد التصعيد السياسي إلى الواجهة, مع تبادل مواقف حادة بين واشنطن وطهران, عقب تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب انتقد فيها القيادة الإيرانية, وردود إيرانية حمّلت الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية التوترات والتصعيد في المنطقة.
وفي سوريا, تواصل الحكومة السورية تقدّمها في مناطق شرق الفرات, وسط تحركات دبلوماسية أميركية لاحتواء المواجهات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد". وأفادت مصادر مطلعة بأنّ مقترحات جديدة طُرحت لدمج عناصر "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية, في إطار مساعٍ تهدف إلى استئناف التفاوض وتجنّب التصعيد, مع تأكيد واشنطن دعمها لمسار يحافظ على وحدة سوريا.
وتبقى هذه التطورات الإقليمية والدولية حاضرة في حسابات الداخل اللبناني, في ظل ترقّب سياسي لما ستؤول إليه المساعي الدبلوماسية, وانعكاساتها المحتملة على الاستقرار الداخلي والمسار الأمني والسياسي في البلاد!
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :