تحولات العقيدة الأميركية في زمن ترامب…

تحولات العقيدة الأميركية في زمن ترامب…

 

Telegram

منذ زمن الحرب الباردة، دأب الخطاب الأميركي على التسويق لسردية ثابتة تقدم التفوق والهيمنة الأميركيين على أنهما الضمانة الأساسية لتحقيق الاستقرار والسلم الدوليين.

فمن خلال ملاحظة المنطلقات المشتركة للوثائق التي تسوق لاستراتيجيات الأمن القومي الأميركي، يمكن الاستنتاج أن الهيمنة في الرؤى الأميركية لم تكن تقدم كخيار يمكن مناقشته مع الحلفاء والخصوم، وإنما كضرورة بنيوية تساعد في ضبط آليات النظام الدولي من خلال ادعاء قدرتها على منع الفوضى وإدارة الصراعات.

فالأمن الجماعي بمفهوم واقعي وفاعل لا يمكن تصوره، وفق السردية الأميركية، إلا في ظل أحادية أميركية تستحوذ وحدها على القوة المطلقة.

فمنذ عام 1950، بمناسبة الحرب الكورية، قدمت الولايات المتحدة تعريفها للصراع الدولي على أنه عبارة عن مواجهة شاملة بين العالم الحر الذي تمثله هي وبين العالم الشيوعي الذي يُمثل الشر المطلق. ففي وثيقة NSC-68 1950، اعتبرت إدارة ترومان أن التفوق الأميركي ليس خياراً، بل ضرورة أخلاقية وأمنية لحماية النظام الدولي.

وفي مراحل لاحقة، لم تظهر إستراتيجية الاحتواء التي طرح أسسها جورج كينان على أنها سياسة دفاعية وإنما شكلت في مضمونها منظومة ضبط للنظام الدولي.

وعلى النسق نفسه، جاءت وثيقة التخطيط الدفاعي عام 1992 وإستراتيجية الأمن القومي عام 2002 كتأكيد على قناعة أميركية مترسخة تعتبر أن التفوق الأميركي يشكل ضمانة لمنع الفوضى التي قد تنتج عن التعددية. بطبيعة الحال، لم يخرج بيل كلينتون وباراك أوباما عن هذا التوجه.

فعلى الرغم من تخليهما عن استخدام مصطلحات كالهيمنة والردع والتفوق واستبدالها بمفاهيم كالقيادة والريادة والحديث عن الهيمنة المدارة، فإن فحوى توجههما النظري لم يخرج عن فلسفة من سبقهما لناحية تجسيد الولايات المتحدة لفكرة الحرية والعدالة أو لناحية أن القدر قد استدعى الولايات المتحدة للمساعدة في تحقيق النصر النهائي للحرية.

أما بالنسبة إلى الحلفاء، فرغم أن الخطاب الأميركي كان شديد الحرص على إظهار العلاقة معهم على أنها تكاملية تستند إلى وحدة الرؤى والأهداف، وأن التوجه الأميركي كان يستهدف دائماً تقليل المخاطر وتثبيت الاستقرار من خلال دعم الأنظمة الحليفة، فإن ذلك لم يكن يعني مطلقاً الاعتراف بهؤلاء كشركاء حقيقيين.

فإذا حاولنا تقدير موقع الحلفاء انطلاقاً من وثائق وإستراتيجيات الأمن القومي، فإنها كانت تلتقي في مضمونها حول عدم الاعتراف بهم كشركاء سياديين متكافئين. فرغم أن الشراكة كانت دائماً هي المصطلح المستخدم للإشارة إلى هؤلاء الحلفاء، فإن هذه الشراكة لم تكن تعني أبداً تقاسماً في المسؤوليات واتخاذ القرار، وإنما أمكن تعريفها في إطار وظيفي محكوم لمعايير الانضباط والالتزام بالتوجهات الأميركية.

أما بالنسبة إلى التوازن في العلاقة، فيمكن القول إنه يشكل انعكاساً للتعريف الأميركي لمنطق المشاركة، وبالتالي كانت هذه التحالفات تتمحور حول مركز قيادي أميركي يتحكم بالقرارات الاستراتيجية.

من ناحية أخرى، أظهرت الولايات المتحدة، خصوصاً في فترة ما بعد الحرب الباردة ميلاً نحو تفضيل الحلفاء الذين يملكون أنظمة مستقرة نسبياً بالتوازي مع فقدانهم للاستقلالية تجاهها على حساب الأنظمة التي تتمتع بمستوى عال من الديمقراطية مع ما تعنيه من شرعية وامتعاض أو رفضٍ للخضوع لتوجهاتها.

فالإدارات الأميركية المتعاقبة كانت دائماً تتساهل مع الأنظمة الخليجية رغم أنها لا تتمتع بالحد الأدنى من معايير الحرية والديمقراطية التي تدعي دائماً العمل من أجلها في حين أنها كانت تتعاطى دائماً بشيء من القسوة ومحاولات القمع مع الأنظمة الأوروبية.

في إطار هذا الواقع، يمكن الاستنتاج أن الولايات المتحدة لم تسعى تاريخياً لبناء دول قوية قادرة على التمتع بسياداتها وفق المفهوم التقليدي للسيادة، وإنما تستهدف دائماً بناء شبكات من التحالفات القادرة على ضبط الواقع الإقليمي لكل منطقة وفق ما تحدده المصلحة الأميركية.

في هذا الإطار، يمكن القول إن الرئيس دونالد ترامب لم يخرج عن الإطار العام للأهداف التي حددتها آليات اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأميركية تاريخياً إذ إنه لم يعلن انقلاباً على أسسها العقائدية وإنما قدم نفسه على أنه يؤسس آليات مبتكرة لتحقيق الأهداف بكلفة أدنى وفاعلية مرتفعة.

فإذا كان من الممكن القول إن دونالد ترامب قد شكك في تحالفات الولايات المتحدة التقليدية، إذ ينظر إليها كعبء ليس ملزماً بتحمّله، فإن ذلك يجب أن لا يُفهم على أنه ميل نحو الانعزالية أو التخلي عن مفهوم الهيمنة بمعناها التقليدي الأميركي، وإنما يجب أن يُقرأ ضمن مسار تحميل الحلفاء كلفة تحالفهم، ويجب أن يُقرأ أيضاً ضمن سياق اعتبار التحالف حاجة لهؤلاء قبل اعتباره مطلباً أميركياً.

فحلفاء دونالد ترامب لا يرتقوا إلى مستوى اعتبارهم شركاء إستراتيجيين وإنما ينظر إليهم على أنهم مجرد مقاولين يعملون تحت تصرفه.

فالاستقرار لم يعد هدفاً سامياً يجمع العمل على تحقيقه بالقوة إن لزم الأمر، وإنما تتوفر شروط العمل من أجله حين يمس الداخل الأميركي فقط.

فعدم الاستقرار الخارجي والفوضى الإقليمية، أي انهيار الدول والحروب الأهلية والتوترات الإقليمية، لم تعد تشكل وفق عقيدة ترامب تهديداً للأمن القومي الأميركي.

فاستراتيجيته للأمن القومي قد عرفت التهديد على أنه فقط ما قد يتعلق بالهجرة إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى الميزان التجاري وإشكالية البطالة والتوظيف. وعليه، أمكن القول إنه وفق الرؤية الأميركية المستجدة، لم يعد الاستقرار الدولي قيمة أمنية ماسة وإنما مجرد متغير ثانوي يمكن التعامل معه.

أما بالنسبة إلى وظيفة القوة الأميركية، فقد حددها دونالد ترامب ضمن سياق حماية المصالح الأميركية فقط، وتخلى عن واجب فرض النظام الدولي أو إدارته. فالواضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أفرغ القوة الأميركية من مضمونها كأداة لفرض النظام، وعرّفها على أنها وسيلة ضغط هدفها فقط حماية المصالح الأميركية من خلال فرضها على طاولة التفاوض أو ابتزاز الطرف الآخر بها، وفي بعض الأحيان، إظهارها على أنها أداة ردع.

فالهيمنة التي يستهدف دونالد ترامب تحقيقها ليست هيمنة منظمة كتلك التي طبعت سلوك كل الرؤساء السابقين، وإنما يمكن توصيفها بأنها هيمنة متفلتة من أي التزام. فالشعار الحالي لمفهوم “أميركا أولاً” لا يعدو كونه تدخلاً عند الضرورة قد يجعل الولايات المتحدة تنسحب في أي لحظة من دون اكتراث للنتائج، ومن دون الاعتراف بأي مسؤولية عن ما قد يحدث من فشل أو انهيار.

وعليه، تظهر عقيدة دونالد ترامب تحوّلاً عميقاً في الخطاب والممارسة حيث جرى تفكيك التعريف التقليدي للهيمنة، وتم تحويل القوة الأميركية من أداة لتنظيم النظام الدولي إلى وسيلة ضغط لحماية المصالح الضيقة بما يجعل من الممكن تعريف هذه العقيدة بأنها عقيدة تدخل انتقائي وظيفتها إدارة المصالح الأميركية لا صناعة نظام يعبّر عن رسالة عقائدية ادّعت الولايات المتحدة تبنّيها منذ زمن الحرب الباردة.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram