كتب رشيد حاطوم
رئيس تحرير موقع "ايكون نيوز"
أولاً: مسح الأرض سياسيًا بتصريحات لا تُغتفر
لم يكن تصريح وزير الخارجية يوسف رجي مجرّد زلّة لسان أو اجتهاد سياسي عابر، بل سقوط مدوٍّ في امتحان الحدّ الأدنى من الوطنية. أن يخرج وزير خارجية دولة معتدى عليها ليبرّر للعدو الإسرائيلي اعتداءاته بحجّة سلاح المقاومة، فذلك لا يندرج في خانة “حرية الرأي”، بل في خانة التماهي مع رواية العدو وتبنّي مبرّراته. هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى موقع لبنان التفاوضي والسيادي، بل يطعن دماء الشهداء ويشرّع العدوان، ويحوّل وزارة الخارجية من خط دفاع أول عن لبنان إلى منصّة تبرير للقاتل.
ثانيًا: قرداحي استقال… والسيادة كانت “مستنفَرة”
لبنان سبق أن مرّ بمحطّتين فاضحتين في معايير “السيادة” الانتقائية. يومها، لم يرضَ حَمَلة السيادة المزعومة إلا بإقالة أو دفع الوزير جورج قرداحي إلى الاستقالة، فقط لأنه وصف حرب اليمن بالعبثية، لا من باب الانحياز، بل من باب الحرص الإنساني والأخلاقي. قامت الدنيا ولم تقعد، شُنّت حملات، واعتُبر التصريح تهديدًا لعلاقات لبنان العربية. أما اليوم، حين يبرّر وزير خارجية لبنان عدوانًا إسرائيليًا موصوفًا ومُدانًا عالميًا، يخيّم الصمت، وكأن “السيادة” فقدت حبالها الصوتية.
ثالثًا: نهج قديم… من آل الجميل إلى اليوم
من يقرأ تاريخ العلاقة مع العدو الإسرائيلي يدرك أن ما قاله رجي ليس استثناءً، بل امتداد لنهج سياسي قديم تعود جذوره إلى مراحل سوداء من تاريخ لبنان، من أيام بشير الجميل وما تلاها من محاولات تطبيع واتصالات واصطفافات. تغيّرت الأسماء والوجوه، لكن الجوهر واحد: تبرير العدو، تحميل الداخل مسؤولية العدوان، وتقديم أوراق اعتماد للخارج على حساب الكرامة الوطنية. إنه نهج لم ينقطع، بل يتجدّد بأدوات لغوية أكثر “دبلوماسية” وأقل فجاجة.
رابعًا: أين الحكومة؟ أين الميثاقية؟ وأين مجلس النواب؟
الأخطر من التصريح نفسه هو غياب أي رد فعل سياسي بحجمه. كيف لم تُقاطع جلسات مجلس الوزراء؟ كيف لم تُطرح مسألة إقالة الوزير فورًا؟ أين وزراء “الميثاقية” الذين صدّعوا رؤوس اللبنانيين بها لسنوات؟ هذا هو توقيتها الحقيقي. أما مجلس النواب، فمسؤوليته لا تقلّ خطورة: طرح الثقة بوزير خارجية يبرّر عدوانًا على بلاده ليس ترفًا سياسيًا، بل واجب دستوري وأخلاقي.
تصريحات رجي لم تُحرج الداخل فقط، بل وضعت سفراء لبنان، لا سيما في الأمم المتحدة والمحافل الدولية، في موقف بالغ الدقّة. كيف سيدافعون عن لبنان، فيما وزير خارجيتهم ينسف الرواية اللبنانية من أساسها؟ خصوصًا في لحظة تشكّل فيها رأي عام عالمي غير مسبوق يدين مجازر العدو في غزة ولبنان، ويحمّله مسؤولية خرق وقف النار وعدم تطبيق القرار 1701، في وقت أثبت فيه الجيش اللبناني التزامه الكامل بواجباته. فهل كان تصريح رجي هدية مجانية للعدو… أم أكثر من ذلك؟
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :