بسم الله الرحمن الرحيم
قال أفلاطون الحكيم نور الدنيا بقوة الدين والملك، لأنهما بمنزلة العينين للجسد، وقوام الملك بالدين وإذا استقام صاحب الدين صلح صاحب المُلك. كما أن العين اليمنى أقوى من العين اليسرى، وإذا فسدت العينان أظلم ما في الجسد، وهكذا إذا فسد الدين والمُلك فسدت سائر الأشياء في سائر العالم. فلينظر رجال السياسة والدين أي الطرق هم سالكون، ليست الآفة في الدين ولا في السياسة، بل في العيون التي أعطيت لتبصر، فآثرت أن تحمي مواقعها على أن ترى فإذا لم تَخْشَ العينُ فقدانَ مكانها حين تكون وظيفتها، صار النور نفسه سببًا في العمى، وصار الحكم والدين اسمين لشيء واحد، سلطة بلا بصيرة.
نحن في زمن غلبت الصورة على الحقيقة، وزمن تحالف الدين المفرغ مع السياسة الخائفة، وزمن يطلب فيه من الناس الصبر بينما لا يطلب من النخبة الصدق. إن طُلب من المظلوم الصبر ولم يُطلب من الظالم التنازل، فاعلم أن الميزان مكسور، لأن رجال الدين اليوم أكثرهم يحرسون الألفاظ لا القلوب، فالسلف كانوا سابقين عاملين، وللأسفِ الخلفُ عاجزون لاحقون. ليس الإيمان بالتمني لكن ما وُقِّر بالقلب وصدقه العمل.
رجال السياسة أكثرهم يُديرون الأزمات لا القيم والقليلُ هم الذين لو سكتوا استقام الميزان، ولو تكلموا خافت السلطة والدين معًا، لأن الشر الذي يُدار بالعقل أخطر من الشر الذي يُواجه. القِناع يسقط هنا، لأن أقل الشرور إذا طال صار شرًا دائمًا.
الحكيم فيثاغورس لم يعلم الناس ماذا يرون، بل علمهم كيف لا يُخدعون بما يَرون، لأن الحق لا يختفي بل العيون هي التي تُلبس جلود الشياه. وللأسف أشد العمى من يظن نفسه مبصرًا، بل أخطر الناس ليس الجاهلَ، إنّما الذي نظّم جهله.
شيئان يحددان من أنت، صبرك عندما لا تملك شيئًا، أخلاقك عندما تملك كل شيء. أنت رائع حين تتجاهل من يسيء إليك، وكريم عندما تخفف أحزان غيرك ولطيف حين تهتم بمن حولك، وجميل عندما تبتسم مهما كانت الظروف.
كلٌ سيرحل ويبقى الأثر…
قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ لم يقل عبد هواه بل قال اتخذه إلهًا، والفرق عند العارفين كبير، العابد يعلم أنه يعصي، أما من اتخذ إلهه هواه فيُطيع وهو يظن أنه مُحق، وهنا الخطر الأعظم، إشارة دقيقة جدًا، أخطر الهوى عند العارفين ليس هوى الشهوة بل هوى الزهد، هوى العبادة، هوى المقام، هوى الجاه، هوى المال، هوى حب الرئاسة، هوى أن تُرى على حال دون حال كم من عابد سجد لهواه وهو يظن أنه ساجد لله، لأن الشرك الظاهر تبصره العيون، أمّا الهُ الهوى فلا يراه إلّا من كُسرت نفسه، ولهذا كان دعاء العارفين، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، لأن لا شيء ينازع في قهر القلوب والعقول مثل الهوى إذا تُرك بِلا مجاهدة.
إنارة العقل مكسوفٌ بطوعِ هوىً وعقلُ عاصي الهوى يزدادُ تنويرا
فالطريق ليس في شدة المجاهدة فقط، بل في حسن الحراسة، من لم يحرس بابه سرقوا بيته وهو يذكر الله، يَعني من ذكر الله تعالى بلسانه وقلبه غافل عمّا يذكُر. الهوى ليس شهوة فقط بل كل ميل يُنسيك الله ولو كان مباحًا.
لا تُتبِع النفسَ الهوى ودع التعرض للمحن
إبليسُ حيٌ لم يمت والعينُ بابٌ للفتن
إذا وَجَدْتَ النفس قائدًا، والهوى حاكمًا والشح حارسًا، فاعلم أن الباطل حاضر ولو لبس لباس الحق.
المرء لا تشقيه إلا نفسُه حاشى الحياةَ بأنها تُشقيهِ
ويَظنُّ أن عدُوَّه في غيره وعدُوُّه يُمسي ويُضحي فيهِ
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :