كتب رشيد حاطوم
رئيس موقع"iconnews "
الشرق الأوسط أمام لحظة إعادة التموضع الكبرى: تقارب الضرورة في زمن التفويض الأميركي
يشهد الشرق الأوسط لحظة مفصلية تعيد رسم خرائط الاصطفاف السياسي والأمني، في ظل تقارب متدرّج بين قوى إقليمية وازنة لطالما بدت متباعدة أو متخاصمة: تركيا، إيران، السعودية، مصر، والإمارات. هذا التحوّل لا يمكن فصله عن مرحلة ما بعد التفويض الأميركي شبه المطلق لإسرائيل، سياسياً وعسكرياً، ولا عن الدعم غير المشروط الذي مُنح لها في حربها على غزة، بالتوازي مع ضغوط كثيفة تُمارَس على الدول العربية لدفعها نحو التطبيع، رغم المجازر الواسعة والانتهاكات الممنهجة بحق الشعب الفلسطيني.
أمام هذا المشهد، بدأت عواصم الإقليم تستشعر خطورة ما هو آتٍ، كلٌّ من زاوية مصالحه وحساباته الخاصة. فالمسألة لم تعد محصورة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل باتت تتعلّق بمحاولة إعادة تشكيل النظام الإقليمي على قاعدة تفوّق إسرائيلي مدعوم أميركياً، وقادر على فرض الوقائع بالقوة، لا عبر التفاهمات.
السعودية: منع الضربة… ومنع الانفراد
الموقف الذي أعلنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من قلب واشنطن، لجهة ممانعة توجيه ضربة عسكرية لإيران، لم يكن تفصيلاً عابراً، بل يعكس قراءة سعودية عميقة ترى أن أي استهداف لإيران، بوصفها الداعم المركزي للقضية الفلسطينية وأحد أعمدة التوازن الإقليمي، لن يقود إلى الاستقرار، بل سيفتح فراغاً استراتيجياً واسعاً.
في الحسابات السعودية، هذا الفراغ لن تملأه دولة عربية أو منظومة إقليمية جامعة، بل ستسارع إسرائيل إلى ملئه، متسلّحة بالتفوّق العسكري والدعم الأميركي، لتتحوّل من دولة تبحث عن «أمنها» إلى قوة مهيمنة تفرض شروطها على الجوار. وعندها، لن يقتصر الأمر على التطبيع، بل قد يمتد إلى فرض معاهدات سلام جديدة على غرار النموذجين المصري والأردني، ولكن بشروط أكثر قسوة، وأقل توازناً، وأشد مساساً بالسيادة.
وتذهب هذه المقاربة إلى ما هو أبعد من ذلك: ماذا لو رفضت الرياض، في مرحلة لاحقة، سقف الإملاءات الإسرائيلية؟ هل تبقى الضمانات الأميركية صلبة؟ أم تتحوّل أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، وربما محاولات العزل وزعزعة الاستقرار، إلى وسائل مشروعة لإعادة «ضبط» القرار السعودي؟ أسئلة لا تُطرح علناً، لكنها حاضرة بقوة في غرف القرار.
تركيا: كسر العزلة قبل اكتمالها
أما أنقرة، فتقرأ المشهد من زاوية مختلفة، لكنها لا تقل قلقاً. فتركيا تدرك أن تحوّل إسرائيل، بتكليف أميركي، إلى «شرطي المنطقة»، سيؤدي عملياً إلى تطويق الدور التركي وعزل أنقرة عن محيطها الجيوسياسي، من شرق المتوسط إلى المشرق العربي.
من هنا، لا يُفهم التقارب التركي مع إيران كخطوة تكتيكية ظرفية، بل كجزء من إعادة تموضع أوسع تهدف إلى منع تشكّل نظام إقليمي أحادي القطبية. والأكثر دلالة أن هذا الانفتاح لم يتوقف عند طهران، بل تمدّد ليشمل قنوات تواصل مع حزب الله، في إشارة واضحة إلى أن أنقرة باتت تنظر إلى قوى الردع الإقليمية بوصفها عناصر توازن ضرورية، لا مجرد أطراف نزاع.
مصر: غزة بوصفها خط الدفاع الأول
في القاهرة، تُقرأ التطورات بميزان الأمن القومي المباشر. فمصر ترى أن غزة ليست ساحة هامشية، بل تشكّل خط الدفاع الأول عن سيناء والعمق المصري. ومن هذا المنطلق، تنظر إلى حركة حماس، رغم التعقيدات والخلافات، باعتبارها حاجزاً استراتيجياً في مواجهة أطماع إسرائيلية لا يُعرف لها سقف.
وتتداول أوساط سياسية وإعلامية تقارير عن دور مصري في دعم صمود غزة، يشمل تسهيلات لوجستية عبر الأنفاق لتأمين احتياجات أساسية، ضمن سياسة دقيقة تهدف إلى منع انهيار القطاع من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة. فالقاهرة، التي خبرت تاريخياً السلوك الإسرائيلي، تدرك أن أي فراغ في غزة قد يتحوّل سريعاً إلى ضغط مباشر على سيناء، ثم على الدولة المصرية نفسها.
الإمارات: براغماتية القلق الصامت
أما الإمارات، ورغم انخراطها المبكر في مسار التطبيع، فهي تراقب التحولات بقلق محسوب. فالتطبيع، من وجهة نظر أبوظبي، لا يعني تفويضاً مطلقاً لإسرائيل بإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي. ومع تصاعد السلوك الإسرائيلي في غزة، تتعزّز المخاوف من أن تتحوّل الشراكات إلى أدوات ابتزاز سياسي وأمني، لا إلى ضمانات استقرار، ما يفسّر انخراط الإمارات في مقاربات أكثر توازناً وأقل اندفاعاً.
البعد الدولي: واشنطن بين الارتباك والتفويض
في الخلفية، يبرز عامل دولي بالغ التأثير يتمثّل في المشهد الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة، رغم استمرار تفوّقها العسكري، لم تعد قادرة على إدارة الإقليم كما في السابق. فالانشغال بالصين، واستنزاف الحرب في أوكرانيا، وتآكل الهيبة الأخلاقية في الرأي العام العالمي، كلها عوامل دفعت واشنطن إلى تفويض إسرائيل أدواراً تتجاوز حجمها الطبيعي.
وفي هذا السياق، يبرز الرئيس الأميركي دونالد ترامب كرمز لهذا الارتباك. فترامب يتصرّف، في نظر كثيرين، كـ«بندول ساعة» قديمة، يضرب يمنة ويسرة بلا إيقاع ثابت: قرار اليوم ينقضه تصريح الغد، وموقف يُشعل الساحات ثم يُترك معلّقاً بلا أفق. هذا النمط من القيادة، القائم على الصدمة لا على الاستراتيجية، يطرح سؤالاً مركزياً في عواصم المنطقة: إلى متى يمكن للإقليم أن يبقى أسير مزاج بندولي لا يعرف الاستقرار؟
إسرائيل: أزمة القوة من الداخل وتوسّع العدوان
في موازاة هذه التحولات، يواجه الكيان الإسرائيلي واقعاً داخلياً مأزوماً يتجاوز صورة «القوة التي لا تُقهر». فالاقتصاد الإسرائيلي يعاني تراجعاً ملحوظاً في معدلات النمو، وانكماشاً في قطاعات حيوية، في ظل تعطّل سلاسل التصدير، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، واتساع رقعة المقاطعة التي طالت شركات كبرى ومؤسسات أكاديمية وتكنولوجية.
هذا الواقع الاقتصادي يتقاطع مع أزمة اجتماعية ونفسية عميقة. فالمجتمع الإسرائيلي يعيش حالة قلق دائم، إن لم نقل رعباً مكتوماً، من اتساع رقعة المواجهة ومن مستقبل غامض لم تعد الحروب الخاطفة قادرة على تبديده. الملاجئ لم تعد استثناءً، والخوف لم يعد طارئاً، والانقسام الداخلي يتعمّق بين شارع مأزوم ونخبة سياسية عاجزة عن تقديم أفق.
إلى ذلك، يترافق هذا التآكل الداخلي مع تصعيد عسكري خارجي لا يقل خطورة، ولا سيما على الجبهة اللبنانية. فإسرائيل لا تكتفي بمجازرها المستمرة بحق الشعب الفلسطيني، بل تواصل اعتداءاتها على لبنان، متجاهلة وقف إطلاق النار، وضاربة عرض الحائط بالقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، في سلوك يعكس استخفافاً فاضحاً بالشرعية الدولية، ويؤكد أن منطق القوة بات يتقدّم على أي التزام قانوني أو سياسي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: بين الاحتواء والانفجار
أمام هذا المشهد المركّب، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول، احتواء هش يقوم على إدارة الأزمات لا حلّها، مع استمرار التفويض الأميركي لإسرائيل وضبط الإيقاع عند حافة الانفجار. الثاني، تصعيد متدرّج على أكثر من جبهة، تُستخدم فيه القوة لتعويض التآكل السياسي والاقتصادي الداخلي. أما الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في انفجار داخلي إسرائيلي، سياسي أو اجتماعي، يفرض نفسه على القرار العسكري ويقلب الحسابات رأساً على عقب.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التحوّل المتسارع في الرأي العام الغربي، ولا سيما في الجامعات والشارع الأميركي والأوروبي، حيث تتّسع رقعة الاعتراض على السياسات الإسرائيلية، وتُطرح أسئلة أخلاقية وقانونية غير مسبوقة حول الدعم غير المشروط. هذا التحوّل، وإن لم ينعكس بعد في القرار الرسمي، يشكّل عامل ضغط تراكمي قد يُربك حسابات واشنطن وتل أبيب على المدى المتوسط.
في الكواليس، لا يدور النقاش الحقيقي حول من يملك فائض القوة، بل حول من يملك القدرة على الصمود الطويل. فالقوة التي تُستخدم بلا سقف، والدعم الذي يُمنح بلا مساءلة، يتحوّلان سريعاً إلى عبء استراتيجي. الشرق الأوسط لا يتجه بالضرورة إلى حرب شاملة، لكنه دخل مرحلة اختبار قاسٍ للكيانات من الداخل، بقدر ما هو استنزاف مفتوح من الخارج… واليوم التالي قد يكون أثقل بكثير مما يتخيّله اللاعبون جميعاً.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :