بينما تنشغل الطبيعة في ترميم جروحها، لا يزال "منشار" الجهل يفتك بما تبقى من رئاتنا الخضراء. إذ، لم تعد ظاهرة قطع الأشجار مجرد أرقام في تقارير بيئية أو انبعاثات كربونية عابرة، بل باتت صرخة وجع مكتومة تتردد أصداؤها من غابات الأمازون وصولاً إلى جبالنا الشاهقة، حيث تُقطَع الأشجار المعمّرة في وضح النهار أمام أعين كوكبٍ يختنق.
في لبنان، يبدو أن المأساة أخذت منحىً أكثر قسوة. هناك، في المرتفعات الجبلية، تتعرض ثروتنا الوطنية لغدرٍ جديد. "مجزرة بيئية" هي أقل ما يمكن وصفه لما كشفته جمعية "الأرض - لبنان"، بعدما تلقت عبر منصة "حماة الغابات" بلاغاً يدمي القلوب: أشجار لِّزاب معمّرة، شهدت على قرون من تاريخنا، سقطت بين "رأس ضليل وادي فعرا" و"حلبتا". لم يكن مجرد قطع للأخشاب، بل كان اعتداءً سافراً على هوية الأرض واستمراراً لمسلسل الجرائم الذي لا يزال ينهش ما تبقى من أخضر في بيئتنا الجريحة.
نظام "اللِّزاب" الإيكولوجي:
الرئة الصامدة فوق القمم الهشة
تعتبر أشجار اللِّزاب حجر الزاوية في النظام الإيكولوجي للمرتفعات الجبلية، فهي ليست مجرد غطاء نباتي، بل هي "النوع الرائد" الذي يمتلك القدرة الفريدة على العيش في ظروف مناخية قاسية لا تتحملها أنواع أخرى. إن قطع شجرة لِّزاب واحدة يعني تدمير ميكرو-مناخ متكامل استغرق بناؤه قروناً، حيث تعمل هذه الأشجار كمنظم حراري يقلل من حدة التبخر ويحافظ على رطوبة التربة في بيئات صخرية جافة بطبعها.
من الناحية الهيدرولوجية، تلعب غابات اللِّزاب دوراً محورياً في تغذية الحوض الجوفي، فبفضل نظام جذورها المتشعب، تتحول الغابة إلى إسفنجة طبيعية تزيد من نفاذية التربة، مما يسمح بمياه الأمطار والثلوج الذائبة بالترسب إلى الخزانات الجوفية بدلاً من الضياع في السيول السطحية الجارفة. هذا الدور يجعل من وجودها صمام أمان ضد التصحر وتدهور الأراضي.
وعلى صعيد التنوع البيولوجي، توفر هذه الأشجار موائل حيوية لسلسلة غذائية معقدة تبدأ من الفطريات المرتبطة بجذورها، وصولاً إلى الطيور المهاجرة التي تعتمد على ثمارها كمصدر طاقة أساسي. إن فقدان هذه الأشجار يؤدي إلى "تأثير الدومينو" بيئياً؛ حيث ينهار التوازن الذي يربط خصوبة التربة بالثروة الحيوانية واستقرار المناخ المحلي، مما يجعل استعادتها أمراً شبه مستحيل نظراً لبطء نموها الشديد الذي لا يتجاوز مليمترات قليلة في السنة.
الأثر على البيئة المحلية
القطع العشوائي لأشجار اللِّزاب لا يقتصر تأثيره على مجرد فقدان الغطاء النباتي، بل يمتد ليشمل سلسلة من الأضرار البيئية المتشابكة التي تهدد استقرار البيئة اللبنانية على المدى الطويل. فعلى مستوى التضاريس، يؤدي إزالة هذه الأشجار المعمّرة إلى زيادة مخاطر الانهيارات الأرضية والانجراف الطيني في المناطق الجبلية، ما يهدد السهول المجاورة والمزارع المحلية. كما يتسبب هذا القطع في تدهور جودة التربة وفقدان خصوبتها الطبيعية، إذ تفتقد التربة العناصر الغذائية الأساسية التي توفرها جذور الأشجار، مما يقلل من إنتاجية المحاصيل ويؤثر على النظم الزراعية المستدامة في المنطقة. ومن ناحية التنوع البيولوجي، يؤدي تدمير غابات اللِّزاب إلى فقدان موائل العديد من الحيوانات والطيور، بما يخل بالتوازن البيئي ويزيد من ضعف النظم الإيكولوجية، كما يحد من فرص تكاثر الأنواع المحلية ويضعف قدرتها على التكيف مع التغيرات المناخية. بالإضافة إلى ذلك، يسهم نقص الغطاء النباتي في تفاقم التغير المناخي المحلي، إذ تنخفض قدرة الغابات على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ما يزيد من تراكم الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي ويؤثر على مناخ المنطقة بشكل مباشر. وبالنظر إلى هذه التأثيرات المتعددة والمتشابكة، يتضح أن قطع أشجار اللِّزاب يمثل جريمة بيئية حقيقية، ذات آثار طويلة المدى تتعدى الأضرار المباشرة لتشمل استدامة النظم الإيكولوجية، تنوعها البيولوجي، واستقرار البيئة المحلية للأجيال القادمة.
القوانين والعقوبات
يشدد القانون اللبناني، وفقًا للمادة 144 من قانون الغابات، على أن كل من يقطع أو يقلع شجرة لِّزاب يزيد محيطها عن 20 سم، يواجه عقوبات مشددة تصل إلى 20 ضعف العقوبة المفروضة على قطع أشجار أخرى. وتشمل هذه العقوبات غرامة مالية تصل إلى 600 مليون ليرة لبنانية، بالإضافة إلى الحبس لمدة تصل إلى 10 سنوات، ما يعكس خطورة هذه الجرائم على المستويين القانوني والبيئي.
ودعت جمعية الأرض في هذا السياق إلى التحرك العاجل من قبل قوى الأمن الداخلي، ووزارة الزراعة، والنيابة العامة البيئية لاتخاذ الإجراءات الفورية لمكافحة هذه الجرائم ومنع تكرارها، ومحاسبة المعتدين بأشد العقوبات.
صرخة من أعالي الجرود.. هل من مجيب؟
إنَّ ما يحدث في مرتفعات "وادي فعرا" و"حلبتا" ليس مجرد اعتداء عابر على بقعة جغرافية، بل هو اغتيالٌ بطيء لذاكرة الأرض ومستقبل أمننا المائي والمناخي. إن شجرة اللِّزاب التي صمدت في وجه العواصف لقرون، تسقط اليوم أمام "عاصفة" الجشع وغياب الرقابة، لتترك خلفها جبالاً عارية وتوازناً بيئياً منهاراً لا يمكن ترميمه بوعود أو شعارات.
لم يعد الصمت تجاه هذه "المجازر الخضراء" خياراً مقبولاً، فكل منشار يطال جذعاً معمرًا هو مسمارٌ جديد يُدق في نعش بيئتنا اللبنانية المتهالكة. إن تفعيل القوانين الرادعة ومحاسبة العابثين بالثروة الوطنية بات ضرورة وجودية، تتجاوز حدود الغرامات المالية لتصل إلى حماية حق الأجيال القادمة في هواء نقي وأرض ثابتة وينابيع لا تجف.
اليوم، تقف "حلبتا" وجاراتها شاهدةً على جريمة كبرى، وتنتظر من الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والقضائية موقفاً حازماً يعيد للهيبة الخضراء اعتبارها. فإذا خسرت الجبال حراسها من أشجار اللِّزاب، فمن سيحمينا من قسوة التصحر وانهيارات الأرض؟ إنها دعوة للتحرك قبل أن نستيقظ على جبالٍ جرداء، لا يغطيها سوى رماد الندم.
شانتال عاصي .. "الديار"
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :