نيويورك قاضيًا على العالم ؟

نيويورك قاضيًا على العالم ؟

الولاية القضائية الأميركية بين القانون الداخلي واغتيال الشرعية الدولية

 

Telegram

 

د. رشا أبو حيدر

لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى نيويورك تمهيدًا لمحاكمتهما، حدثًا أمنيًا عابرًا أو إجراءً قضائيًا تقليديًا، بل شكّل صدمة قانونية وسياسية للنظام الدولي بأسره. فالمسألة لا تتعلق فقط باعتقال رئيس دولة ذات سيادة دون تفويض أممي أو غطاء قانوني دولي، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري: بأي حق تُمنح مدينة نيويورك صلاحية محاكمة رئيس دولة أجنبي؟ ومن فوّض الولايات المتحدة بأن تكون القاضي والشرطي والجلاد في آن واحد؟

أولًا: الأساس الذي تستند إليه الولايات المتحدة داخليًا

من الناحية الشكلية، تستند الإدارة الأميركية إلى لوائح اتهام صادرة منذ عام 2020 عن وزارة العدل الأميركية بحق مادورو، أُودعت لدى المحكمة الفيدرالية في الدائرة الجنوبية لولاية نيويورك (SDNY). وتشمل هذه اللوائح اتهامات تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، وتهريب الكوكايين، وغسل الأموال، بزعم أن هذه الأفعال استهدفت الأمن القومي الأميركي أو ألحقت ضررًا مباشرًا بالمجتمع الأميركي.

وفق المنطق القانوني الأميركي، فإن القضاء الفيدرالي يجيز لنفسه ممارسة الولاية القضائية خارج الإقليم متى اعتبر أن الجريمة:

1. استهدفت مصالح أميركية مباشرة، أو

2. كان لها أثر عابر للحدود وصل إلى الأراضي الأميركية، أو

3. صُنفت ضمن ما تسميه واشنطن “الجرائم الكونية” مثل الإرهاب والمخدرات.

وعليه، ترى واشنطن أن نقل مادورو إلى نيويورك ليس اختيارًا اعتباطيًا، بل تنفيذ لمسار قضائي مفتوح منذ سنوات داخل نظامها القانوني.

ثانيًا: الإشكالية القانونية الجوهرية – منطق داخلي لا يُنشئ شرعية دولية

غير أن الخطورة لا تكمن في وجود لائحة اتهام أميركية بحد ذاتها، بل في تحويل القانون الداخلي الأميركي إلى أداة لإلغاء القانون الدولي. فحتى لو افترضنا – جدلًا – صحة الاتهامات، فإن القاعدة المستقرة في العلاقات الدولية تقضي بأن:

• محاكمة رئيس دولة أجنبي لا تتم إلا عبر القضاء الدولي المختص،

• أو عبر تسليم قضائي طوعي وفق اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف،

• أو بعد رفع الحصانة السيادية بآلية قانونية معترف بها دوليًا.

ما حصل هو العكس تمامًا: عملية عسكرية مباشرة، من دون قرار من مجلس الأمن، ومن دون سند من ميثاق الأمم المتحدة، بل وحتى من دون تفويض صريح من الكونغرس الأميركي نفسه، ما يجعل العملية موضع مساءلة حتى داخل النظام الدستوري الأميركي.

ثالثًا: الحصانة السيادية… مبدأ تم اغتياله

يُجمع فقهاء القانون الدولي على أن رؤساء الدول يتمتعون بحصانة شخصية كاملة أثناء توليهم مناصبهم (Immunity ratione personae)، ولا يمكن ملاحقتهم أمام محاكم أجنبية، مهما كانت طبيعة الاتهامات، إلا بعد انتهاء ولايتهم أو أمام محكمة دولية مختصة.

ما قامت به الولايات المتحدة هو نسف مباشر لهذا المبدأ، واستبداله بمنطق القوة: منطق يقول إن من تملك القوة العسكرية تملك حق الاعتقال والمحاكمة، بغض النظر عن السيادة أو الحصانة أو الشرعية الدولية.

رابعًا: لماذا نيويورك تحديدًا؟

اختيار نيويورك ليس تفصيلًا تقنيًا، بل يحمل دلالة سياسية وقانونية مزدوجة:

1. سياسيًا: نيويورك هي مقر الأمم المتحدة، وكأن واشنطن تقول صراحة إن العدالة الأميركية حلّت مكان العدالة الدولية.

2. قضائيًا: الدائرة الجنوبية لنيويورك تُعد الأداة الأهم لملاحقة القضايا العابرة للحدود التي ترغب الإدارة الأميركية في تدويلها على مقاسها الخاص.

وهنا تكمن الإشكالية الأخطر: تحويل محكمة وطنية إلى محكمة كونية بحكم الأمر الواقع.

خامسًا: سابقة تهدد النظام الدولي

إذا ما تم تكريس هذا النموذج، فإن العالم سيكون أمام سابقة بالغة الخطورة:

• أي دولة كبرى تستطيع اتهام رئيس دولة أخرى،

• ثم اعتقاله بالقوة،

• ثم محاكمته في عاصمتها،

• تحت شعار “الأمن القومي” أو “مكافحة الإرهاب”.

عندها، لا يعود لميثاق الأمم المتحدة أي معنى، ولا لمبدأ السيادة أي قيمة، ويصبح النظام الدولي مجرد غطاء هش لمنطق الهيمنة.

في الخلاصة، ان محاكمة مادورو في نيويورك ليست انتصارًا للعدالة، بل انتصارًا لمنطق القوة على القانون. فالولايات المتحدة لم تلجأ إلى القضاء الدولي لأنها لا تريده قيدًا على حركتها، ولم تطلب تفويضًا أمميًا لأنها تعتبر نفسها فوق التفويض، ولم تحترم الحصانة السيادية لأنها لم تعد تعترف إلا بسيادة واحدة: سيادة القوة الأميركية.

إن أخطر ما في هذه السابقة ليس مصير مادورو، بل الرسالة التي تُبعث إلى العالم: من يخرج عن الإرادة الأميركية، يمكن أن يستيقظ يومًا ليجد نفسه في قفص اتهام في نيويورك، مهما كان موقعه أو صفته.

وهنا، لا يكون السؤال: لماذا مادورو؟

بل: من التالي؟

 

 

 

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي

 

Telegram