السلاح معادل للوجود لا ورقة للمساومة: منطق الإبطال في مواجهة رهانات الإكراه
لم يكن موقف الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بأنّ محاولة نزع سلاح المقاومة تعني «نزع الروح، وعندها سيرى العالم بأسنا»، مجرّد ردٍّ انفعالي عابر أو تفاعل ظرفي مع ضغوط متصاعدة. بل هو موقف مدروس بعناية في مضمونه وسياقه وتوقيته، يأتي مكمِّلاً لمنظومة متكاملة من الرسائل والأفعال التي تشكّل في مجموعها إستراتيجية إحباط إستراتيجي، تتصدّى بشكل مباشر للمخطط الأميركي – الإسرائيلي القائم على مبدأ الإكراه الإستراتيجي.
وعليه، يتواجه منطقان متناقضان: منطق الإكراه الذي يسعى إلى كسر الإرادة عبر منظومة متشابكة من الضغوط، في مقابل منطق الإبطال الذي يحوّل السلاح إلى معادل للوجود نفسه، ويغلق باب المساومة حوله بالكامل.
كسر رهانات الإكراه
ينطلق منطق واشنطن وتل أبيب من فرضيةٍ أساسية مفادها أن حزب الله، شأنه شأن أي فاعل سياسي آخر، سيخضع في نهاية المطاف لحسابات الكلفة والمنفعة؛ فإذا ارتفعت كلفة الاحتفاظ بالسلاح، يصبح التخلي عنه أقل ضرراً. غير أنّ الحزب يبطل هذا الرهان بإخراج السلاح من هذه المعادلة، واعتباره شرطاً للوجود ذاته. وعندها لا يعود القرار اقتصادياً أو سياسياً، بل يتحوّل إلى قرار وجودي. وهنا يفقد منطق الكلفة/ المنفعة معناه، إذ تسقط إحدى الركائز الأساسية لمنظومة الإكراه، وتغدو كل التضحيات والأثمان ضئيلة إذا ما قورنت بالوجود والمستقبل.
رهان آخر يروّج له الخصوم يقوم على تصوير السلاح كعبء على لبنان ومصدر خسائره. لكن الحزب يضع السلاح في مكانه الطبيعي: ضمانة للسيادة الوطنية وحصن الدفاع الأول عن لبنان في مواجهة أطماع إسرائيلية معلَنة، مستدعياً الذاكرة الحيّة لدور المقاومة في تحرير الأرض ومنع العدوان. وهكذا يتضح أن السلاح، خلافاً لما يُروَّج، ليس عبئاً بل مصلحة وطنية عليا.
أما رهان الزمن، فيتمثّل في الاستنزاف البطيء عبر العقوبات والضغوط، على أمل أن تتآكل المقاومة مع مرور السنوات. لكن الحزب يواجه الزمن بالزمن: يطوّر قدراته النوعية باستمرار، ويخاطب وعي قاعدته الشعبية شرحاً وتفسيراً للمخاطر والخيارات وموقع المقاومة منها، ويعمّق حضوره الاجتماعي والسياسي. فيتحوّل الضغط الطويل الأمد من وسيلة إنهاك إلى فرصة رسوخ، وهو ما يفسّر استعجال الخصوم لمحاولة نزع السلاح قبل أن تتضاعف كلفتهم.
ويعرض الأميركيون بدائل مغرية: رفع للعقوبات، ضمانات أمنية، استثمارات دولية. لكن الحزب يردّ على هذا الرهان باستدعاء سوابق التاريخ القريب والبعيد: كم من حلفاء تخلّت عنهم واشنطن ساعة الاختبار؟ فيسقط الوعد قبل أن يولد، ويغدو البديل الموعود سراباً لا يُعتدّ به.
وأخيراً، يعوّل الخصوم على الانقسام الداخلي في لبنان، وعلى إمكان شق الصف بين الحزب وحلفائه أو داخل بيئته الحاضنة. غير أنّ الحزب واجه هذا الرهان ببناء تحالفات راسخة، وضبط خطابه ضمن معادلة وطنية جامعة، وتعزيز عوامل الوحدة مع حركة أمل وسائر القوى، بحيث تغدو القواسم المشتركة الدينية والمصيرية والجغرافية والاجتماعية أقوى من أي محاولة اختراق. وهكذا يتهاوى رهان العزلة ويتقوض مشروع الشرخ والانقسام.
دلالة موقف الشيخ قاسم
هنا يتجلّى المعنى العميق لموقف الأمين العام لحزب الله؛ فهو لا يصدر عن تعبير إنشائي عابر، بل يشكّل خلاصة فكرية متكاملة لآليات الإبطال جميعها. فعندما يقول إن السلاح هو الروح، يضع حداً لأي حساب تقليدي يراهن عليه الخصم. وعندما يربط السلاح ببقاء لبنان، يُعيد صياغة الشرعية من زاوية المصالح الوطنية اللبنانية. وحين يواجه الزمن، يؤكد أن الضغط لا يضعف المقاومة بل يقوّيها. وعندما يسخر من البدائل الغربية، يُسقط آخر أوراق الوهم. وحين يتحدّث عن «بأسنا»، يربط السلاح بمعادلة الردع والوحدة الوطنية معاً.
غير أنّ الأهم يكمن في الوظيفة التفاوضية الدقيقة لهذا الخطاب. فهو يرفع سقف الموقف إلى الحد الأقصى، فيمنع أي نقاش حول أصل السلاح، ويحصر النقاش فقط في إطار موقعه داخل الإستراتيجية الدفاعية الوطنية. وبهذا يتحوّل التهديد الردعي ذاته إلى مدخل لإنتاج صيغة سياسية تحفظ ثوابت الدولة اللبنانية من جهة، وتؤمّن في الوقت نفسه مصالح لبنان الوطنية.
بين منطق الإكراه الذي يراهن على كسر الإرادة بالإغراء والضغط والاستنزاف، ومنطق الإبطال الذي يحوّل السلاح إلى معادل للوجود، يتحدد مستقبل لبنان الأمني والسياسي. وفي قلب هذه المعادلة يطل خطاب الشيخ قاسم، جامعاً بين الإعلان الردعي والرسالة التفاوضية. فهو يُفشل رهانات أميركا وإسرائيل، ويفتح أمام الدولة اللبنانية فرصة صياغة مخرج سياسي يحافظ على ثوابتها إذا ما توافرت الإرادة. أما في حال غياب هذه الإرادة، فستبقى السيناريوهات مفتوحة على مواجهة مباشرة أو تسويات مؤجلة، فيما يظل السلاح ثابتاً كجوهر وجودي لا يقبل المساومة.
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي