في الشهر السابع من العام 2023 أنهى الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة ولايته في سدّة الحاكمية، ليستلم مهامها بالإنابة لغاية الأمس النائب الأول للحاكم الدكتور وسيم منصوري بفعل غياب حكومة أصيلة قادرة على تعيين حاكم أصيل، على وقع تشنجات سياسية محتدمة زادت الأمور تعقيداً وتأزّماً.
أما اليوم، فاكتملت المؤسسات الدستورية من رئاسة الجمهورية إلى الحكومة فحاكمية مصرف لبنان… وتسلّم قبل الظهر الحاكم الأصيل كريم سعَيد حاكمية مصرف لبنان من منصوري… لكن السؤال “ماذا بعد تسلّم سعَيد كرة نار التحديات الكثيرة والكبيرة التي تنتظره في المرحلة المقبلة؟ ما الأولويات الواجب الانطلاق بها لتحقيق التعافي الاقتصادي والمالي والنقدي المطلوب؟”.
قبل الإجابة على كل هذه التساؤلات، يذكِّر الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود عبر “المركزية”، بأن “المرحلة الطبيعية تقتضي ومن دون أي كباش سياسي، تعيين نواب جدد للحاكم والذين تنتهي ولايتهم في 10 حزيران 2025، وكذلك ولاية لجنة الرقابة على المصارف. ومن البديهي أن يُطرح على طاولة مجلس الوزراء تعيين أربعة نواب للحاكم و5 أعضاء للجنة الرقابة على المصارف بما فيهم الرئيس. ووفق القانون المرعي، يسمّي وزير المال نواب الحاكم بعد استشارة الأخير. والوزير ياسين جابر على استعداد لقبول كل السِيَر الذاتية للأسماء المرشّحة كافة تمهيداً لغربلة الأسماء في تسلسل تعيينهم الطائفي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى لجنة الرقابة على المصارف”.
لكنه يرى أن “سلاسة وزير المال في اختيار الأنسب من الأسماء المرشَّحة من دون أي مشكة أو أي عائق أو تعقيدات، لا تنفي في ظل واقعنا القائم، ترك الأمور كاملةً، التقنية منها أو غير التقنية، لوزير المال أو حتى لحاكم مصرف لبنان، من دون مراعاة الخواطر السياسية وطموحات القوى السياسية لتعيين إسم من طائفة كلٍ منها”.
للابتعاد عن الكباش السياسي..
وهنا يشدّد على “ضرورة الابتعاد عن الكباش السياسي أو الحزبي لتفادي تعذّر تعيين نواب الحاكم… لأن أي تأخّر أو عرقلة في ذلك لا سمح الله، يعطي إشارة سيّئة وغير سليمة محلياً وخارجياً، وبالتالي لا يجوز تعيين أسماء نواب للحاكم لا تتمتّع بدايةً بـ”سمعة طيّبة” ثم بـ”خبرة مرموقة”. لأن الحاكم لا يريد التفرّد بالقرارات بل يريد التعاون مع أشخاص يحملون السمعة الجيّدة والخبرات الكفوءة كي يشكّلوا مجلساً مركزياً حقيقياً وصحيحاً”.
وعن لجنة الرقابة على المصارف، يقول: ينتظرها مرحلة جديدة تختلف عن سابقاتها… فلجنة الرقابة ستكون محوَر الاهتمام والضغط والعمل الكثيف والحثيث خلال المرحلة المقبلة. إن مهمة أعضاء اللجنة كبيرة جداً ربما تحتاج إلى كادر وظيفي واسع وكفوء وموظفين إضافيين، كما إلى توسيع نطاقها وتعزيز صلاحياتها.
وهنا لم يشأ حمود أن يمرّ مرور الكرام على مطلب يعتبره أساسياً، وهو “وجوب إعادة النظر في قانونَين اثنين كي تتمكن لجنة الرقابة على المصارف من العمل بشكل سليم وصحيح: الأوّل: القانون الرقم 67/28 والثاني: القانون الرقم 67/43. قد يكون الموضوع شائكاً وصعباً لكن لا يمكن التغاضي عنه”.
التحديات المنتَظرة…
أما إذا تشكّل المجلس المركزي لمصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف وانطلق مسار العمل الجدّي، فيرى حمود أن التحدّيات تكمن في “إعادة تنظيم سحوبات الودائع العالقة منذ تاريخ 17- 10- 2019، ثم إعادة هيكلة المصارف والتي نعلّق عليها أهمية كبرى انطلاقاً من احترام حقوق المودِعين من جهة واستمرار قطاع مصرفي فاعل وقوي وصحيح، في مقابل مصرف مركزي يلعب دوره كناظم فقط، لا كداعم أو للحلول مكان أحد أو أن يأخذ دور الأطراف الأخرى إن في الحكومة أو الاقتصاد أو المالية… إنه صاحب السلطة النقدية والناظمة للقطاع المصرفي، يُدير التضخم في البلاد ويؤمّن استقرار – وليس ثبات – سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، وأن يكون في المرحلة المقبلة أكثر دقةً في عملية مراقبة التدفقات النقدية في إطار محاربة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب”.
…”تجديد شباب” مصرف لبنان
…”إنها المهام الأهمّ والتحديات الأبرز لحاكم مصرف لبنان الجديد في المرحلة المقبلة” يتابع حمود، إذ “إلى جانب العناوين العريضة، لن يغيب عن بال الحاكم الجديد أن مصرف لبنان قد شاخ ويريد أن يجدّد شبابه. بمعى آخر هناك إدارات ودوائر يترأسها أشخاص، مع الإقرار بأنهم أصحاب خبرة وكفاءة، أصبح معظمهم على مشارف السنّ التقاعدي، وبالتالي يحتاج البنك المركزي إلى وجوه وكفاءات وخبرات جديدة لمعالجة المرحلة المقبلة… فالمرحلة نقدية بامتياز في ظل: اقتصاد نقدي لا يجوز استمراره، مقاصة داخلية بالعملة الأجنبية، تعاطي مصرف لبنان نقداً بالعملة الأجنبية، غياب العلاقة الصحيحة بين المصارف اللبنانية والمراسلين، غياب العمل المصرفي السليم في البلاد…”.
ويعتبر أن “المصارف لا تستطيع الاستمرار في هذا النمط وعليها أن تتحدّى المخاطر المصرفية والعمل المصرفي، وأن تحدّد حجمها في إمكانية لعب دور ما بين المودِعين وتمويل الاقتصاد بإمكانياتها ورساميلها، مع تأمين استمراريّتها في تحقيق الأرباح وتغطية النفقات… ذلك على وقع خروج قانونَين اثنين من وزارة المال في الساعات الـ48 الأخيرة: قانون السريّة المصرفية، وقانون الإصلاح المصرفي!”.
التحدّي كبير… والمشوار طويل! أما الآمال فكبيرة في أن يصل الحاكم الجديد لمصرف لبنان بالتعاون الجدّي والسليم مع الأطراف المعنية كافة، بالوضع الاقتصادي والمالي والمصرفي والنقدي إلى أعلى مستوى من التعافي، ثم النمو… فالازدهار.
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
نسخ الرابط :