اجتمعنا من اجل الانسان..

اجتمعنا من اجل الانسان..

 

 

 

 

اجتمعنا من اجل الانسان..

الدكتور طلال حاطوم


 

"... ولبنان بلدنا، البلد الذي يعتبر إنسانه رصيده الأول والأخير، إنسانه الذي كتب مجد لبنان بجهده وبهجرته وبتفكيره وبمبادراته، إنساننا هذا هو الذي يجب أن يحفظ في هذا البلد.
فاذا كان لغير هذا البلد، بعد الإنسان، ثروة، فثروتنا في لبنان بعد الإنسان، إنساننا أيضاً، لذلك يتجه جهدنا في لبنان، من المعابد حتى الجامعات والمؤسسات، يتجه نحو صيانته. وصيانته بصيانة إنسانه، كل إنسانه، والإنسان كله، وفي مناطق مختلفة منه.
وإذا أردنا أن نصون لبنان، إذا أردنا أن نمارس شعورنا الوطني، إذا أردنا أن نمارس إحساسنا الديني من خلال المباديء التي عرضت فعلينا أن نحفظ إنسان لبنان كل إنسانه وطاقاته لا بعضها. لبنان هذا، عندما نشاهد الحرمان، نكتشف أن هذا الحرمان ناتج عن سوء الممارسة، والمسؤولية على الجميع".
من عظة الصيام للإمام المغيب السيد موسى الصدر في كنيسة الآباء الكبوشيين- 19 شباط 1975، بمناسبة الصوم الكبير لدى المسيحيين، يومها كان اللبنانيون على موعد مع مشهد مهيب: يصعد إمام مسلم على مذبح كنيسة في لبنان، مصلٍّ وواعظٍ. صلاة الإنسان مع نفسه. وصلاة الإنسان مع الله.
الرئيس شارل حلو بعد سماعه محاضرة الإمام السيد موسى الصدر بعنوان:"القوى التي تسحق والقوى التي تفرق"، قال:
"هذا حدث يحصل للمرة الأولى في تاريخ الكثلكة، يجتمع في الكنيسة مؤمنون لسماع كلمة الله من مرجع ديني غير كاثوليكي، ويقابل ذلك لا بالإعجاب فحسب، بل بالتأمل الطويل. ومن الطبيعي أن يكون موطن الحدث هو لبنان، بلد اللقاء والأخوة والتوحيد".
ويقول الامام المغيب السيد موسى الصدر في نفس المحاضرة:
"نحمدك الله ربنا على أن وفقتنا بعنايتك، وجمعتنا بهدايتك، ووحدت قلوبنا بمحبتك ورحمتك.
وها نحن نجتمع بين يديك في بيت من بيوتك، وفي أوقات الصيام من أجلك.
قلوبنا تهفو إليك، وعقولنا تستمد النور والهداية منك، معتبرين أنك دعوتنا إلى أن نسير جنباً إلى جنب في خدمة خلقك، وأن نلتقي على كلمة سواء لأجل سعادة خليقتك. فإلى بابك إتجهنا، وفي محرابك صلينا. إجتمعنا من أجل الإنسان الذي كانت من أجله الأديان، وكانت واحدة آنذاك، يبشر بعضها ببعض، ويصدق أحدها الآخر، فاخرج الله الناس بها من الظلمات إلى النور بعد أن أنقذهم بها من الخلافات الكثيرة الساحقة والمفرقة، وعلمهم السلوك في سبيل السلام.
كانت الأديان واحدة حيث كانت في خدمة الهدف الواحد: دعوة إلى الله وخدمة للإنسان، وهما وجهان لحقيقة واحدة.
ثم إختلفت عندما إتجهت إلى خدمة نفسها أيضاً، ثم تعاظم إهتمامها بنفسها حتى كادت أن تنسى الغاية، فتعاظم الخلاف وأشتد، وإزدادت محنة الإنسان والآمه.
كانت الأديان واحدة تهفو إلى غاية واحدة: حرب على آلهة الأرض والطغاة، ونصرة للمستضعفين والمضطهدين وهما أيضاً وجهان لحقيقة واحدة. ولما إنتصرت الأديان وأنتصر معها المستضعفون وجدوا أن الطغاة غيروا اللباس وسبقوهم إلى المكاسب، وأنهم بدأوا يحكمونهم باسم الأديان، ويحملون سيفها، فكانت المحنة المتعاظمة للمضطهدين، وكانت محنة الأديان والخلافات فيما بينها، ولا خلاف إلا في مصالح المستغلين.
كانت الأديان واحدة، لأن البدء الذي هو الله واحد. والهدف الذي هو الإنسان واحد. والمصير الذي هو هذا الكون واحد. وعندما نسينا الهدف وأبتعدنا عن خدمة الإنسان، نسينا الله وأبتعد عنا فأصبحنا خرقاً وطرائق قدداً، وألقى بأسنا بيننا فأختلفنا ووزعنا الكون الواحد، وخدمنا المصالح الخاصة، وعبدنا آلهة من دون الله، وسحقنا الإنسان فتمزق.
والآن نعود إلى الطريق، نعود إلى الإنسان المعذب لكي ننجو من عذاب الله.
نلتقي لخدمة الإنسان المستضعف المسحوق والممزق لكي نلتقي في كل شيء، ولكي نلتقي في الله فتكون الأديان واحدة".
اين لبنان واللبنانيون اليوم من مواقف الامام المغيب السيد موسى الصدر؟
سيدي الامام الصدر، يومها كنت صوت الحق الذي يستمع اليه كل اللبنانيين من كل الطوائف والمذاهب، الذين تحولوا في العام 1975 الى قبائل وشعوب ترفص ان تتعارف، ورغم ذلك اجتمعوا في بيت من بيوت الله لينصتوا الى محاضرتك بسكون واطمئنان ان في لبنان هامة كبرى تنظر بعين العقل والحقيقة الى واقعنا وتسعى الى بناء جسور الالفة والمحبة والهداية ليوقف ادعاءات من حاولوا حكم الناس باسم الدين وظلموا المستضعفين وعاثوا في الارض فساداً.
سيدي الامام الصدر، ما احوجنا اليوم ان نعود الى تلك الينابيع الصافية لننهل من معينها نهجاً يكون الانسان ـ كل انسان ـ هو في رأس هرم الاولويات، نبحث عن احتياجاته، ونخفف همومه، ونرفع الغبن عنه، ونؤمن له حياة كريمة عزيزة في ارضه ووطنه لبنان.
سيدي الامام الصدر، لم تكتفِ بالموعظة الحسنة الجامعة، المانعة للتفرقة والشرذمة، بل اعتصمت، ايضاً من اجل الانسان، في محرابك، في مسجد الصفا يوم تعرضت قرى دير الاحمر وشليفا والقاع، تماماً كما تألمت من اجل الانسان في الشباح والنبعة وكل المناطق والدساكر والقرى، مردداً: ان درب المحبة العظيمة لا يمر الا على طريق الجلجلة.
سيدي الامام الصدر، اليوم ابناء الوطن يتهافتون على العودة الى ماضٍ رفضته بكل عناوينه السود، واصريت على الحوار واللقاء والالتقاء تماماً كما يفعل حامل الامانة منك الرئيس نبيه بري، لكن الصوت يضيع في برية الوطن لكثرة الضوضاء والانانية.
سيدي الامام الصدر،
لعل الزمن ينصف: ففي كتاب مفتوح من كريم بقرادوني لمناسبة قيام سماحة الإمام موسى الصدر بمساعي التهدئة ومحاولة إيجاد الحل لأزمة الوطن. (جريدة "العمل" البيروتية  30/4/1975) يقول بقرادوني:
"يا سماحة الإمام،
بالأمس كنا نخاف منك، واليوم صرنا نخاف عليك.
لقد أتيت غريباً، ومن بعيد، فتصورك البعض مصيبة وتصورك البعض الآخر هبة.
ولكن ما لبثت أن قرعت لك أجراس عشقوت، وفتحت أمامك أبواب الكنائس في الكبوشية ومنابر الجوامع في صيدا. 
أنها ليست المرة الأولى التي تشارك فيها في التغلب على الأزمات، لكنها المرة الأولى التي تلعب فيها دوراً فريداً ـ وقد أقول وحيداً، لقد إختصرت كل السلطات معاً، وخاصة سلطتي التهدئة والتحكيم.
لقد إستطعت أن تبقى هادئاً حين هاجت الحساسيات. فكنت سلطة تهدئة متعددة التحرك. فحيناً كنت تحمي الخائف أو المهدد، وخاصة الأقليات المسيحية في المناطق الإسلامية والأقليات الإسلامية في المناطق المسيحية، وحيناً كنت تطفيء النيران حيث تشتعل وتمنع الإشتعال حيث الخطر. وفي كل حين كنت تنشد محبة المؤمن.
سلطتك لم تستمدها من أحد، بل إقتنصتها إقتناصاً.
قبلك كان الجنوب أرضاً دون ضمير، ومعك أصبح الجنوب ضميراً داخل كل بيت لبناني.
قبلك كانت الشيعة طائفة متخلفة بين الطوائف الأخرى، ومعك أصبحت الشيعة حركة لكل الوطن. لقد كاد المحرومون أن يصبحوا ضحية لليأس وفريسة للأيديولوجيات والعقائد، فجعلت منهم طاقة بناء ومستقبل.
أعداؤك يريدون أن يجعلوا من البشر حجراً، وأنت تريد أن تجعل من الحجر بشراً.
أن الذي إستطاع أن يحول اليأس إلى أمل يستطيع أن يحول النار إلى نور."
هل من يسمع؟ صوم مبارك.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي