من نيويورك إلى بعبدا… هل تغيّر عنوان واشنطن في لبنان؟

من نيويورك إلى بعبدا… هل تغيّر عنوان واشنطن في لبنان؟

كتب رشيد حاطوم

ليست المصافحة سياسة خارجية، لكن السياسة تصنعها أيضاً الإشارات، وخصوصاً عندما تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ولبنان في قلب حرب ومفاوضات وضغوط دولية متشابكة.

من هنا، أثار المشهد الذي ظهر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح عدداً من القادة خلال اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك أسئلة تجاوزت البروتوكول إلى موقع لبنان نفسه لدى الإدارة الأميركية. ففي تلك اللحظة، لم تحصل مصافحة علنية مماثلة مع رئيس الحكومة نواف سلام، بينما كانت العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وترامب قد شهدت دفئا ملحوظا سابقا.

رفض سلام اعتبار ما حصل تجاهلاً متعمداً، موضحاَ أن ترامب صافح أربعة فقط من نحو 15 مشاركاَ في البداية، ثم صافح الآخرين عند مغادرته. وبالتالي، لا تكفي اللقطة وحدها لإثبات وجود رسالة أميركية مقصودة ضد رئيس الحكومة. لكن الصورة تصبح أكثر دلالة عند مقارنتها بمسار العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون وترامب.

عون لم يُخفِ رهانه على الرئيس الأميركي، وتحدث عن اهتمامه الشخصي بلبنان وضرورة الاستفادة منه، كما وصف ترامب بأنه «صديق لبنان». وفي المقابل، استقبله ترامب في البيت الأبيض ووصفه بأنه رئيس «على قدر عالٍ من الاحترام»، فيما حافظت بعبدا على قنوات مفتوحة مع السفير الأميركي والكونغرس ومسؤولين أميركيين في الملفات السياسية والعسكرية.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.

في الكواليس السياسية اللبنانية، يجري تداول قراءة مفادها أن الفريق المحيط برئيس الجمهورية استطاع، مستفيداً من علاقاته وقنواته مع السفارة الأميركية وواشنطن، أن يبني حضوراً أقوى من الفريق السياسي الذي أحاط بنواف سلام ودعم وصوله إلى رئاسة الحكومة. هذه القراءة ليست حقيقة مثبتة بموقف أميركي رسمي، لكنها تكتسب أهميتها من مفارقة لافتة: شخصيات في البيئة السياسية التي دعمت سلام تبنت مواقف تجاه العلاقة مع إسرائيل تتجاوز في سقفها أحياناً خطاب بعبدا نفسها.

النائب مارك ضو ذهب إلى حد ربط قضية أموال المودعين بخيار السلام، قائلاً: «لنردّ المصاري للمودعين، لازم يكونوا كل المودعين مع السلام». أما النائبة بولا يعقوبيان، فسبق أن اعتبرت أن «السلام مع إسرائيل لا يجب أن يبقى من المحرمات».

فإذا كان رفع سقف الخطاب باتجاه السلام يُفترض أن يمنح أصحابه موقعاً متقدماً لدى واشنطن، فلماذا لم يتحول ذلك بالضرورة إلى نفوذ سياسي أكبر؟

ربما لأن الإدارة الأميركية لا تقيس علاقتها بالقوى اللبنانية بمقدار ارتفاع سقف تصريحاتها فقط، بل بقدرتها على التأثير والإمساك بالمؤسسات وتحويل التفاهمات إلى قرارات قابلة للتنفيذ. وثمة بعد داخلي لا يقل أهمية.

فالحديث عن غياب «الكيمياء السياسية» بين عون وسلام لم يعد خافتاً. تقارير سياسية تحدثت عن علاقة تفتقد إلى الود وعن مآخذ على أداء الحكومة، مقابل حرص رسمي من الطرفين على إظهار استمرار التنسيق بين بعبدا والسراي. ويذهب الكلام المتداول في بعض الكواليس أبعد من ذلك، إلى الحديث عن محطات طُرحت خلالها فكرة تغيير حكومي أو البحث عن بديل من سلام. إلا أن هذه النقطة تبقى حتى الآن في دائرة التداول السياسي، إذ لا توجد معطيات علنية موثوقة تثبت أن عون اتخذ قراراً بإطاحة رئيس الحكومة أو خاض محاولة مكتملة لاستبداله.

لكن تزامن هذا الكلام مع تقدم علاقة بعبدا بواشنطن يفتح السؤال الأكثر أهمية: أين بات مركز الثقل اللبناني في الحسابات الأميركية؟

هل لا يزال في السراي، حيث رئيس حكومة حظي عند تكليفه بدعم داخلي وخارجي واسع؟ أم أنه يتحرك أكثر نحو بعبدا، حيث رئيس جمهورية لا يخفي رهانه على علاقته بترامب؟

هنا يصبح الجدل حول المصافحة تفصيلاً. فالامتحان الحقيقي ليس من صافحه ترامب أمام الكاميرات، بل من يسمع له عندما تُوضع ملفات لبنان على الطاولة، ومن يستطيع تحويل علاقته بواشنطن إلى وقف للاعتداءات وضمانات ومكاسب فعلية للدولة.

أما إذا بقيت العلاقات صوراً وزيارات وتصريحات، فلا بعبدا ربحت ولا السراي خسر. الخاسر عندها هو لبنان.

ولهذا قد تُنسى لقطة نيويورك سريعاً، لكن السؤال الذي كشفت عنه سيبقى: حين تتصل واشنطن ببيروت بحثاً عن شريك قادر على القرار والتنفيذ… أي هاتف سيرن أولاً، هاتف بعبدا أم هاتف السراي؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي