خاص ايكون نيوز
د. رشا أبو حيدر
حين نتحدث عن النفط، غالبًا ما نتعامل معه وكأنه سلعة واحدة. لكن النفط ليس نوعًا واحدًا، والفارق بين الخام الخفيف والثقيل، وبين الحلو والحامض، ليس تفصيلًا تقنيًا هامشيًا، بل عامل أساسي في تحديد كلفة التكرير وقيمة الخام والجهات القادرة على استيعابه، ومن هنا تبدأ المفارقة الأميركية.
فالولايات المتحدة تنتج كميات ضخمة من النفط، ومعظم إنتاجها المحلي من الخامات الخفيفة والحلوة، لكنها في الوقت نفسه تستورد خامات أثقل وأكثر حموضة تتلاءم مع قدرات بعض مصافيها. إذن، المسألة ليست فقط: هل تملك أميركا النفط؟ بل: أي نفط تملك، وأي نفط تحتاج، ومن أين تحصل على النوع الذي تحتاجه؟ هنا تظهر فنزويلا.
فالنفط الفنزويلي معروف بارتفاع وزنه وكبريته، وهو يختلف في خصائصه عن جزء كبير من النفط الأميركي الخفيف. ومع ذلك، عادت تدفقات الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة بقوة خلال 2026، في مؤشر على استمرار أهمية هذا النوع من الخام بالنسبة إلى بعض المصافي والأسواق، وهذه ليست مفارقة بسيطة.
فالولايات المتحدة، التي أصبحت قوة كبرى في إنتاج الخام الخفيف، لا تتعامل مع سوق النفط على أساس الكمية وحدها، وإنما على أساس نوع الخام، وقدرة المصافي، وكلفة النقل، والسعر، ومكان وجود الطلب.
ومن هنا أيضًا تأتي أهمية النفط العربي. فالخليج لا يقدم خامًا واحدًا متجانسًا، بل مجموعة من الخامات تختلف في خصائصها، وتدخل في شبكة واسعة من المصافي والأسواق العالمية. وبالتالي، فإن العلاقة الأميركية مع النفط الخليجي لا تختصر في حاجة واشنطن إلى البراميل، وإنما ترتبط أيضًا بتركيبة الصناعة النفطية نفسها، لكن النفط لا يتحرك في الأسواق من دون جغرافيا.
فمن الخليج إلى الأسواق العالمية تمر الطاقة عبر ممرات بحرية استراتيجية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس. وهذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل نقاط اختناق يمكن أن تؤثر في تدفق الطاقة وكلفتها، وهنا تدخل الحرب في اليمن إلى المشهد النفطي.
فالموقع الجغرافي لليمن يجعل الصراع متصلًا بأحد الممرات المهمة في تجارة الطاقة العالمية. وأي تهديد للملاحة في باب المندب لا يبقى محصورًا في حدود الحرب اليمنية، بل يمكن أن يمتد تأثيره إلى حركة النفط والتجارة والأسعار ومسارات الشحن، وهنا يصبح الموقف الأميركي من الحرب اليمنية سؤالًا سياسيًا واقتصاديًا يستحق التوقف عنده.
ليس من الدقة القول إن واشنطن تتخذ مواقفها من الحرب بسبب النفط وحده؛ فالحرب اليمنية ترتبط أيضًا بأمن الخليج، والصراع الإقليمي، وأمن الملاحة، والتحالفات العسكرية، ومصالح دول متعددة، لكن من المشروع أن نسأل:
إذا كان أمن الممرات البحرية وتدفق الطاقة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الأميركية، فكيف تنعكس هذه الحسابات على مقاربتها لحرب تقع على مقربة مباشرة من أحد هذه الممرات؟ السؤال هنا ليس اتهامًا، بل محاولة لفهم شبكة المصالح.
فالقوة النفطية لا تُقاس فقط بعدد البراميل التي تنتجها الدولة، بل بقدرتها على التأثير في نوع الخام، ومكان تكريره، وطريق نقله، وسعره، والجهات التي تستطيع الوصول إليه.
ومن النفط الفنزويلي الثقيل، إلى النفط الخليجي المتوسط والحامض، وصولًا إلى الخام الأميركي الخفيف، نكتشف أن سوق الطاقة ليس مجرد علاقة بين منتج ومستهلك، بل شبكة معقدة من المصالح الصناعية والاقتصادية والاستراتيجية. ولهذا، فإن السؤال الأهم ربما لا يكون: هل تحتاج أميركا إلى النفط العربي أو الفنزويلي؟ بل: كيف تستفيد قوة كبرى من تنوع مصادر النفط، ومن امتلاك القدرة على التعامل مع أنواعه المختلفة، ومن موقعها داخل شبكة الأسواق والمصافي والممرات البحرية؟
وحين تتقاطع خرائط النفط مع خرائط الحرب، لا يعود الصمت السياسي مجرد غياب للكلام؛ بل يصبح، على الأقل، سؤالًا يستحق البحث في المصالح والحسابات التي تقف خلفه.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :