كان رياض سلامة، محافظ مصرف لبنان المركزي، يُعتبر ذات يوم شخصية لا يمكن المساس بها. لكنه الآن يجد نفسه مختبئا في مقر مصرف لبنان في بيروت ويواجه تهما جنائية بالاختلاس وغسيل الأموال وإساءة استخدام النفوذ في محكمة فرنسية. وتجري التحقيقات بشأنه في عدة دول أوروبية أخرى.
وكانت القاضية اللبنانية غادة عون استدعت المحافظ للمثول أمامها، لكن سلامة رفض زاعما أن لجميع التهم الموجهة إليه دوافع سياسية.
وقال لـ"فاينانشيال تايمز" البريطانية مؤخرا "أنا لا أقول إنني لن أخضع للاستجواب فأنا ملتزم بالقانون ولكن لا يمكنني قبول استجواب من قاضٍ في عداء معي".
ويأتي التحقيق مع محافظ مصرف لبنان بناء على شكوى عدد من الناشطين، ويتناول ملكية سلامة لعدد من الشقق السكنية في باريس، إضافة إلى ما يروج حول تهريب أموال عامة إلى شركة يملكها رجا سلامة (شقيق رياض).
وليس سلامة، محافظ البنك منذ أبريل 1993، معتادا على المواجهة، بل تعوّد على السير بطريقته الخاصة، وكان حتى وقت قريب محل تكريم في العواصم الغربية باعتباره الرجل الذي فعل الكثير لإبقاء الاقتصاد اللبناني قائما.
لكن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عدة سنوات، والانفجار الكارثي الذي هزّ مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس 2020 ووباء كوفيد - 19 والتحقيقات الجنائية الجارية، كلها تضافرت لإحداث الانهيار.
ولا يزال سلامة، على الرغم من مشاكله، مصرفيا جريئا. وأوقفه مسؤولو الجمارك الفرنسيون في الصيف الماضي بعد أن اكتشفوا كمية كبيرة من اليوروهات والدولارات في حقائبه بقيمة تتجاوز بكثير ما يُسمح للأفراد بإحضاره إلى البلاد. وبعد أن ادعى سلامة في البداية أنه لا يعرف ما يجري صرّح بأنه "نسي" المال.
واستخدم نفس الطريقة في الثامن والعشرين من مارس الماضي بعد أن قرر المدعي العام الألماني، نيابة عن وكالة العدالة الجنائية في الاتحاد الأوروبي، تجميد ممتلكات وأصول مصرفية بقيمة 120 مليون يورو.
وعندما سُئل عن طريق رسالة نصية حول تجميد الأصول وما إذا كان مرتبطا بها؟ قال سلامة لرويترز إنه "ليس على علم بالأمر وسيتثبت منه".
وهو متهم بالعمل مع شقيقه رجا ومسؤولة المكتب التنفيذي في مصرف لبنان ماريان الحويك بتوجيه ما لا يقل عن 330 مليون دولار من العمولات على مبيعات السندات الحكومية إلى شركة “فوري أسوشيتس” التي يملكها رجا سلامة.
وبدأت لمسة سلامة السحرية تتفكك في أبريل 2020 بعد أن قدمت منظمة “أكاونتابيليتي ناو” (المساءلة الآن) غير الحكومية شكوى ضده وضد شقيقه. واعتُقل رجا بأمر من القاضية عون قبل أسبوعين. وتتعلق التهم الموجهة إليه بشراء عقارات في فرنسا لصالح رياض سلامة بقيمة 12 مليون دولار.
ومع استمرار التحقيقات عبر العديد من الولايات القضائية يستمر في الظهور المزيد والمزيد من التفاصيل المثيرة. كما انتشرت أخبار مداهمة الشرطة الفرنسية لممتلكات يعتقد أنها للأخوين في باريس.
وكانت شقة باسم آنا كوزاكوفا، وُصِفت في الصحافة الفرنسية على أنها “والدة ابنة رياض سلامة غير الشرعية”، كان المصرفي يستأجرها نيابة عن مصرف لبنان على أنها “مركز احتياطي”. وكان مصرف لبنان يدفع لكوزاكوفا 500 ألف دولار سنويا مقابل الشقة. ويجد سلامة نفسه معزولا أكثر مع تزايد الأدلة ضده، فيما تنأى النخب السياسية والمالية القوية التي كانت تحميه بنفسها.
وعلقت صحيفة "لوريون توداي" اللبنانية في نشرتها الإخبارية في أول أبريل "يقول مراسلونا، بعد أن تحدثوا إلى مجموعة من المصادر السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، إن التحول يتلخص في حقيقة الأمر في شيء واحد: خسارة المحافظ لمؤيديه بسرعة على الساحة المحلية والدولية.. البطاقة الوحيدة التي يبدو أن سلامة يمتلكها هي عدم الحضور".
ولا شك أن النخبة، في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية في مايو، ستجد الآن أن وجود كبش فداء يخدم مصالحها، شخص يمكنه صرف الانتباه عن انفجار مرفأ بيروت الذي لم ينته التحقيق فيه بعد، والأزمة الاقتصادية المستمرة التي دفعت الملايين من اللبنانيين العاديين إلى الفقر، والعديد من الأسئلة التي لم تجد إجابة حول كيفية التعامل مع جائحة كوفيد - 19.
ويبدو سلامة مناسبا لدور كبش الفداء. والرجل الذي لعب على مدى عقود عديدة بصفته المعالج المصرفي قد يُترك في حفرة كبيرة جدا.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :