يوميات الموظف اللبناني... ما عنا وقت نتنفس
ساعات عمل طويلة، مهام متراكمة، ازدحام سير خانق، وربما أكثر من اثنتي عشرة ساعة عمل يوميًا… يوميات تختصرها وجوه متعبة في الحافلات أو خلف زجاج السيارات، وموظفون يخرجون من مكاتبهم ليعودوا إلى عملٍ ثانٍ. عيون نصف مغلقة من السهر، وأجساد منهكة تتنقّل بين المكاتب والمصانع والمتاجر. وفي فترة الاستراحة، يجلس البعض يراجع حساباته الصغيرة على ورقة، يحسب ما تبقّى من الراتب بعد الفواتير. حتى الأطفال يلمسون هذا الضغط، يرون أهلهم يخرجون باكرًا ويعودون متأخرين، وكأن البيت محطة استراحة عابرة لا أكثر. هو واقع لبناني يومي تدعمه الأرقام: نسب بطالة مرتفعة، أجور منهارة، وهجرة متزايدة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا.
منذ الأزمة الاقتصادية عام 2019، فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها في مقابل الدولار الأميركي، وأصبح أكثر من 70% من اللبنانيين تحت خط الفقر وفق أرقام البنك الدولي.
كذلك، سجّل لبنان واحدة من أعلى نسب البطالة في المنطقة، إذ بلغت حوالى 27% عامي 2023 و2024، أي أكثر من ضعف المعدّل العربي، فيما وصل المعدّل إلى نحو 30% عام 2022 بحسب تقارير منظمة العمل الدولية.
في المقابل، انهارت الأجور لتصبح من بين الأدنى عالميًا، إذ تتراوح بين 500 و700 دولار في معظم الوظائف. هذه الأوضاع دفعت آلاف العمال إلى مضاعفة ساعات عملهم أو الجمع بين وظيفتين أو ثلاث، فقط لتأمين الحد الأدنى للمعيشة.
حالة طوارئ دائمة
وللدخول في الانعكاسات النفسية والاجتماعية لهذا الواقع، يتبيّن أن الأزمات الاقتصادية والمعيشية لا تقتصر على الأرقام والقدرة الشرائية، بل تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، فتترك أثرًا مباشرًا على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، وتحوّل التعب المادي إلى قلق وجودي دائم.
وتقول المعالجة النفسية مارتين الزغبي أبو زيد عبر “لبنان٢٤”: “اللبنانيون الذين يعملون في وظيفتين أو أكثر يربطون ليلهم بنهارهم، وهذا يعكس حالة عميقة من قلة الأمان. ورغم كل هذا الجهد، هم يحاولون فقط تأمين حاجاتهم الأساسية، من دون أن يتمكنوا من الشعور بلذة الحياة. اللبنانيون يعيشون اليوم في حالة طوارئ دائمة، وهذه الحالة بحد ذاتها مرهقة نفسيًا وجسديًا”.
وتضيف: “مع مرور الوقت، يتحوّل هذا النمط من العيش إلى قلق مزمن. يخاف الناس من إنفاق المال حتى عندما يتوفر، لأن هاجس تكرار الأزمات حاضر دائمًا: خوف من مشكلة جديدة في البلد، من انهيار إضافي، ومن مستقبل غير مضمون. فيفضّلون الادخار القهري بدل العيش، ويستمر الرأس في الدوران من التفكير، إلى درجة نسمع كثيرين يقولون: “ما عندنا وقت نتنفس”. هذا النمط يُبقي الإنسان في شعور دائم بعدم الأمان.
اللحظة الحاضرة غائبة
حسب ابو زيد، فإن اللحظة الحاضرة لم يعد بالإمكان عيشها، لا فكريًا ولا جسديًا، لأن كل التفكير معلّق بالغد والمستقبل. وهنا يبدأ الحديث عن حالة ال “Burnout”، وهي حالة إنهاك جسدي ونفسي وعاطفي ناتجة عن ضغط مزمن وطويل الأمد، ولاسيما في العمل أو في ظروف معيشية قاسية، من دون فترات راحة حقيقية أو شعور بالأمان، حيث يشعر الإنسان بالاستسلام والفراغ، بعدم القدرة على الاستمرار، وبحاجة دائمة للنوم من شدة التعب.
الغضب… الشعور المسموح
في هذا السياق، يظهر ما يُعرف ايضاً بـ الاكتئاب المقنّع: حزن دائم من دون قدرة على التعبير عنه أو حتى تسميته. فيصبح الإنسان عالقًا في حالة طوارئ مستمرة، حاضرًا جسديًا لكنه لا يعيش فعليًا.
وتشرح ابو زيد، “انه وسط هذا الثقل النفسي، يصبح الغضب هو الشعور الوحيد القادر على الخروج إلى العلن. ومن هنا نستخدم في لبنان عبارة “قاعد على بارود”. فالغضب مقبول اجتماعيًا، بينما التعب، البكاء، الاستسلام، أو الاعتراف بالضعف لا يُسمح التعبير عنه.
هذا الخوف من إظهار قلة الأمان، حفاظًا على صورة القوة أمام المجتمع، قد يترجم أحيانًا إلى أوجاع جسدية لا يستطيع الإنسان تفسيرها: نوبات هلع، مشاكل في النوم، اضطرابات في المعدة… وهي في كثير من الأحيان نفسية أكثر مما هي جسدية.
الـ Micro-break: استراحة صغيرة للنجاة
من هنا نصل إلى مفهوم Micro-break. وهي فترة قصيرة جدًا يخصصها الإنسان لنفسه خلال اليوم، قد تمتد من دقيقة إلى عشر دقائق، بهدف كسر الضغط المتواصل وإعادة شحن الطاقة النفسية والجسدية، من دون الحاجة إلى عطلة أو وقت طويل.
وتعطي ابو زيد أمثلة عملية للMicro-break كالمشي، ممارسة الرياضة، التفكير، أو إعادة تقييم الأمور، إغلاق الهاتف للحظات، الاستماع الى الموسيقى، وهي تطبيقات تأتي في محاولة لإعطاء معنى للحياة وسط الفوضى.
وأمام ضيق الخيارات، يلجأ بعض اللبنانيين إلى السفر كحلّ للأزمة المادية. وتقول أبو زيد “قد يوفّر السفر استقرارًا اقتصاديًا وفرص عمل، لكنه غالبًا ما يفرض ثمنًا اجتماعيًا ونفسيًا باهظًا. فالكثيرون يجدون أنفسهم في مواجهة الوحدة، ويدخلون في حالات حزن أو اكتئاب، بعدما عالجوا الضيق المادي، لكنهم لم يعثروا على ذواتهم، ولا على راحتهم النفسية”.
وترى أبو زيد، “أن الخطوة الأولى نحو التعافي بالإضافة الى Micro-break، تبدأ بالاعتراف بالضعف والخوف، وبمنح الذات الإذن بالبكاء والتعبير عمّا يثقلها، فالكبت لا يصنع شفاءً، والفضفضة ليست ضعفًا بل حاجة إنسانية”.
شعب متعب… لكنه مقاوم
رغم سنوات الأزمات المتلاحقة التي أنهكت اللبنانيين، ما زالت القدرة على الصمود حاضرة، وإن كانت مثقلة بالتعب والإرهاق. وتقول أبو زيد في هذا السياق: “نحن شعب قوي، لكننا متعبون. فالأزمة الاقتصادية جرحت هوية المواطن وكرامته، وأبطأت الأحلام، وجمّدت الطموحات، ونسفت الشغف بالحياة. إلا أن هذا التعب لا يعني الاستسلام، بل يدعونا إلى التفكير بالمرونة كخيار واعٍ لتجاوز الأزمات، لا كمجرد محاولة للبقاء.”
ولكن، مهما كانت قوة الأفراد وإصرارهم على الصمود، هناك حدود لما يمكن أن يتحمله الإنسان وحده. فالمطلوب اليوم هو تدخل جدي من المؤسسات الرسمية عبر إصلاحات اقتصادية، سياسات حماية اجتماعية، تعيد للمواطن الحد الأدنى من الكرامة والأمان.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)
.اضغط هنا
تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp
تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram
(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)
:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي