ملف علمي – بيئي – اقتصادي | ICON NEWS
لم تعد أزمة الغذاء العالمية مرتبطة فقط بالحروب والجفاف وارتفاع أسعار المحاصيل. فهناك تهديد أعمق يتسلل إلى أساس الإنتاج الزراعي نفسه: تدهور التربة، وفقدان خصوبتها، وتراجع التنوع البيولوجي الذي تعتمد عليه الزراعة.
في دراسة نشرتها مجلة Nature Food في 22 تموز 2026، توصل باحثون إلى أن زيادة تدهور الأراضي بنسبة 10% ترتبط بارتفاع فجوة إنتاج المحاصيل بنحو 2% في المتوسط، وقد تصل الخسارة إلى 6% في المناطق الأكثر تضرراً.
والأرقام أكثر إثارة للقلق عند احتساب الأثر العالمي؛ إذ قدّر الباحثون أن تدهور الأراضي يرتبط بخسارة نحو 20 مليون طن من الإنتاج الزراعي سنوياً، بما يعادل السعرات الغذائية السنوية التي يحتاج إليها نحو 71 مليون إنسان، فضلاً عن خسائر اقتصادية تقدر بنحو 4 مليارات دولار سنوياً. Nature Food
التربة ليست مجرد أرض نزرع فيها
التربة نظام حيوي متكامل، يحتفظ بالمياه والعناصر الغذائية، ويؤوي كائنات دقيقة أساسية لنمو النباتات. وعندما تتعرض للانجراف والتلوث والتملّح وفقدان المواد العضوية، تتراجع قدرتها على دعم الإنتاج الزراعي.
وفي 27 آب 2026، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تقييماً عالمياً جديداً لحالة موارد التربة، كشف أن 58% من التقييمات الإقليمية التي شملتها الدراسة سجلت اتجاهاً متدهوراً منذ عام 2015، في مقابل نحو 10% فقط سجلت تحسناً.
كما حذرت المنظمة من أن الممارسات المستدامة لحماية التربة لا تزال تُعتمد بوتيرة أبطأ بكثير من المطلوب، رغم توافر حلول علمية مثبتة. _Default +1
النحل ليس تفصيلاً في دورة الغذاء
أما الوجه الآخر للأزمة فيتعلق بالحشرات الملقِّحة، وفي مقدمتها النحل.
فبحسب الأبحاث العلمية، تستفيد نحو 75% من المحاصيل الزراعية الرئيسية بدرجات متفاوتة من التلقيح الحيواني، وهو ما يمثل قرابة ثلث الإنتاج الغذائي الزراعي العالمي.
لكن من المهم عدم المبالغة: دراسة منشورة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences في 15 حزيران 2026 وجدت أن قصور التلقيح في المحاصيل المعتمدة عليه انخفض بنحو النصف منذ خمسينيات القرن الماضي، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى تحسن إدارة الملقحات المستزرعة.
هذا لا يعني أن تراجع النحل والحشرات البرية لم يعد خطراً؛ بل إن الدراسة نفسها تؤكد استمرار أهمية حمايتها، ولا سيما في الأنظمة الزراعية التي لا تتوافر فيها بدائل كافية. PNAS +1
المفارقة أن الزراعة قد تدمر الأساس الذي تقوم عليه
التوسع الزراعي غير المنظم، والاستغلال المفرط للأرض، والاستخدام غير الرشيد للمبيدات والأسمدة، وإزالة الغطاء النباتي، كلها عوامل يمكن أن تجعل الأرض أقل قدرة على الإنتاج مع مرور الوقت.
وهكذا يجد العالم نفسه أمام معادلة خطيرة: زيادة الإنتاج لتلبية الطلب المتنامي قد تتحول، إذا تمت بوسائل غير مستدامة، إلى سبب في إضعاف القدرة الإنتاجية المستقبلية.
ماذا عن لبنان؟
لبنان ليس بمنأى عن هذه المخاطر. فالزراعة اللبنانية تواجه تحديات متراكمة، من تراجع الموارد المائية وتفتت الأراضي الزراعية إلى التوسع العمراني والحرائق وضعف الاستثمار في حماية التربة.
والأخطر أن المزارع اللبناني يُترك في كثير من الأحيان لمواجهة هذه التحديات بإمكاناته المحدودة، من دون سياسة زراعية متكاملة تضمن حماية الأرض، وإدارة المياه، وتطوير الإنتاج، وتأمين الأسواق والتصريف.
إن حماية التربة ليست قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل هي حماية لمصدر رزق آلاف العائلات، ولجزء من قدرة لبنان على تأمين غذائه وتقليص اعتماده على الاستيراد.
المعركة المقبلة ليست فقط على امتلاك الغذاء، بل على حماية القدرة على إنتاجه.
فالأرض التي نفقد خصوبتها اليوم لن نستعيدها بمجرد ارتفاع الأسعار غداً، والنحل الذي يختفي من الحقول ليس تفصيلاً يمكن تجاهله إلى أن تظهر نتائجه على موائد الناس.
المطلوب سياسات زراعية طويلة الأمد، ومراقبة علمية للتربة والمياه، وترشيد استخدام المبيدات، وحماية الملقحات، ودعم المزارعين في اعتماد أساليب إنتاج مستدامة.
خلاصة ICON NEWS: قد لا تكون هناك أزمة عالمية وشيكة سببها اختفاء النحل وحده، لكن المؤشرات العلمية تؤكد أن تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي يضعفان الأساس الذي يقوم عليه الأمن الغذائي العالمي.
| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا
نسخ الرابط :