بالفيديو… «ما في دولة»: حين يصبح صوت المزارع آخر بابٍ تبقى للزراعة اللبنانية

بالفيديو… «ما في دولة»: حين يصبح صوت المزارع آخر بابٍ تبقى للزراعة اللبنانية

 

خاص

Icon News

 

في فيديو قصير من كفرسلوان، يقف المزارع رمزي المغربي بين أشجار تفاح لم تجد من يشتريها، ويقول جملةً واحدة تلخّص أزمة قطاع كامل، بل أزمة دولة كاملة: «لو في دولة، كانت عاملة خطة من ثلاثة وأربعة شهور؛ استيعاب التفاح، وتأمين أسواق، وتسفير للمحصول. مش آخر لحظة».

 

هذه ليست مشكلةً فردية تُحلّ بوساطة زعيم أو اتصال وزير. إنها صورة مصغّرة عن قطاع يُترك وحيداً في مواجهة الخسارة عاماً بعد عام، والمزارع فيه يخوض معركتين متوازيتين لا تنجح إحداهما دون الأخرى: معركة إنتاج المحصول، ومعركة إثبات أنه يستحق أن يُشترى. فالزمتيّ اللبنانية تملك تنوعاً مناخياً وجغرافياً يؤهلها لأن تكون سلة غذاء المنطقة، لكن مالكها صار حلقةً ضعيفة في سلسلة لا تضمن له استرداد كلفة تعبه، ولا تحميه من تقلبات السوق، ولا تمنحه يقيناً بأن محصوله سيصل إلى مستهلك.

 

حسابٌ لا يحتمل التجميل

 

الأرقام التي أطلقها المغربي في الفيديو أبلغ من أي تقرير رسمي. صندوق تفاح وزنه 24 إلى 25 كيلوغراماً يباع بثلاثة دولارات، أي أقل من 15 سنتاً للكيلوغرام، فيما تكلّف الباردة وحدها بين خمسة وستة دولارات، والمازوت الذي يشغّلها غالٍ. فيسأل ببساطة: «مين هام خسر؟ خسر المزارع اللي صلى كل الصيف». وحين نضيف إليه أرقام التقارير المنقولة تصبح الصورة مكتملة: سعر الكيلوغرام الذي يصل إلى المزارع بين 30 و40 ألف ليرة، مقابل ما يتجاوز 150 ألفاً ويتقارب 250 عند المستهلك، فيما تقترب كلفة الإنتاج من 60 سنتاً للكيلوغرام. الفجوة إذن ليست تشويشاً عابراً في السوق، بل بنية استخلاص تعمل بكفاءة مذهلة: المزرعة تدفع الثمن، وما بين البراد والمرفّة يجني.

 

التسويق يُدار قبل الموسم، لا بعده

 

الجملة التي قالها المزارع تستحق أن تُعلَّق على جدار الوزارة: الخطة التي لم تُصنع في تموز وآب وأيلول هي التي لم تُصنع في الجبّ. تسويق المحاصيل ليس مؤتمراً صحافياً ولا إعلاناً موسمياً، بل سلسلة تُفتح قبل الموسم بستة أشهر على الأقل: عقود مسبقة مع المستوردين، كميات محددة، برادات ومراكز فرز بطاقة تُقاس بالطن لا بالمعلن، توضيب وشهادات وحجر زراعي. أما انتظار نضج المحصول ثم البحث عن مشترين، فيضغط المزارع بين مصيرين محتومين: البيع بخسارة تُغرق الموسم المقبل، أو التخزين على حساب مازوتٍ لا يعرف متى ينهض سعره، من دون أي ضمانة أن الغد أفضل.

 

وزير الزراعة: الحساب عندنا، والدولة عليها

 

من الإنصاف أن نعترف بما أعلنته وزارة الزراعة لخارطة طريق موسم 2026: تصريف ما لا يقل عن 100 ألف طن من إنتاجٍ مقدَّر بنحو 200 ألف، وفتح أسواق جديدة، وربط مزارعين بمصدّرين. لكن المزارع الذي يضع صندوقه أمام البراد المغلق لا يقرأ الخارطة، بل يقرأ التقرير الختامي. والمعيار الحقيقي لنجاح وزير الزراعة نزار هاني ليس في عدد الاجتماعات والمستجدات التي أعلنتها الوزارة، بل في ثلاثة أرقام لا تحتمل التأويل: كم طناً خرج فعلاً من حدود البلد؟ وبأي سعرٍ وصل إلى المزرعة؟ ومتى وصل الدعم إلى أصحاب الأرض قبل أن يفارقهم الموسم؟ إن لم تكن عند الوزارة اليوم أجوبةٌ جاهزة موثّقة عن هذه الأسئلة الثلاثة، فهذا وحده هو النتيجة، وكل ما عداها رياضياتُ موسمٍ آخر.

 

وعليه أن يعلن للبنانيين، من دون وجهِ مجاملة، أحد أمرين: إمّا خطة موسمٍ 2026 معلنة بمواعيدها وأسواقها المستهدفة وكمياتها، تُصدر فيها الوزارة شهرياً تقريراً علنياً بالأطنان المُصرّفة والأسعار الفعلية، فتُرسم مسؤوليتها بدهنها؛ وإمّا الإقرار بأن الدولة لا تستطيع حماية محصول مواطنيها، فلا تستحق أن تتحدث باسمهم عن الأمن الغذائي والسيادة. فالوزير لا يعمل في قاعة مؤتمرات، بل في بساتين الناس؛ وما يبقى في المجلدات بعد نهاية الموسم هو حكمه على نفسه. والأصل أن تكون هذه المسؤولية وطنيةً لا مناطقية: الوزير مسؤول عن تفاح كفرسلوان وبشّاري وعن برتقال عكار وعن خضرة البقاع والجنوب، عن كل أرضٍ تُنتج رزقاً وثباتاً ووقايةً للقرى من الهجرة.

 

والأوجع أن الحرب زادت الجراح، إذ أشار الوزير هاني في مقابلة مع الجزيرة في آب 2026 إلى تضرر نحو 22.5% من الأراضي الزراعية، أي نحو 56 ألف هكتار معظمها في الجنوب والنبطية، وثلاثة مواسم زراعية متتالية خسرتها مناطق بأكملها. لكن اختزال الأزمة في الحرب صار على مدى سنوات وسيلةً لتحويلها من سياسةٍ خاطئة إلى طقسٍ موسميّ: ضحايا بلا مسؤولين، وخسائر بلا خطة، وأزمةٌ لا تُدرك إلا وهي قد انتهت.

 

حين يصبح الزعيم أقوى من الدولة

 

في الفيديو، وجّه المغربي رسالةً صريحة إلى كل زعماء لبنان دون استثناء: «مفروض يقفوا حدّ المزارع، لأن المزارع واقف حدّهم، ويساعدوا للمزارع؛ لأنه ما في دولة».

 

هنا تكمن المفارقة القاتلة: حين يضطر المواطن إلى استغاثة «الأقوياء» لأن الدولة غائبة، يتحول هؤلاء من طارئٍ مُحتمَل إلى بديلٍ عن المؤسسة، ومن وسيطٍ عرضيّ إلى شريطٍ دائم للحقّ. وهذا هو الطريق الذي تُهان فيه الدولة قبل أن تُفلس: اقتصادٌ يُدار بالوساطة، وسوقٌ تُدار بالمصلحة، وحقٌّ لا يُحفظه قانونٌ بل من يقف خلفه. المزارع لا يطلب منّة، بل يقيناً قبل الغرس: ماذا سيزرع؟ لمن سيبيع؟ وبأي سعر؟ وكيف يحصل على حقه من دون أن يطرق باب زعيم؟

 

ثلاث دقائق من الفيديو تساوي خارطة طريق

 

اختتم المزارع نداءً لم يُصغه مستشار ولا كُتب في مؤتمر: «نتمنى عليك تجي، من فضلك، وتسمع وجعنا ومخاوفنا وأزمتنا». إن أراد وزير الزراعة إثبات أنه أقرب إلى البستان من الطاولة المدوّرة، فالدعوة مكتوبةٌ على أيامه منذ أيام. خطة موسمٍ قبل الحصاد بستة أشهر، وبرادات وطاقةُ فرزٍ تُقاس بالطن لا بالمعلن، وتجمّعات زراعية لها ثِقل تفاوضي، وسعرٌ عادل يُحفظ عند المزرعة، ومصانع تحويلٍ تلبس الفائض خزانةً لا قبراً، وصلابةٌ أمام المنافسة غير المتكافئة والتهريك الحدودي. لا شيء في هذه القائمة يفوق قدرة دولةٍ تعرف حجمها، وكلها فوق قدرة دولةٍ تنتظر أن يرتمي المزارع عندها.

 

فإذا كانت الأرض اللبنانية ما زالت تنتج رغم الحرب والإهمال والفساد، فإن السؤال ليس: لماذا يزرع المزارع؟ بل: لماذا تُترك أرضٌ تنتج، ودولةٌ لا تحمي؟

 

 

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي