ترامب يخسر الكونغرس… من يدفع ثمن الهزيمة من تل أبيب إلى بيروت؟

ترامب يخسر الكونغرس… من يدفع ثمن الهزيمة من تل أبيب إلى بيروت؟

 

آيكون نيوز | افتتاحية | 5 تشرين الثاني 2026

خاض دونالد ترامب انتخابات التجديد النصفي كأن اسمه على ورقة الاقتراع. وحين فُتحت الصناديق في الثالث من تشرين الثاني، خسر الجمهوريون مجلسَي النواب والشيوخ، وسقط مرشحون دعمهم الرئيس في ولايات كانت تُحسب على حزبه. بقي ترامب في البيت الأبيض، لكن حرب إيران التي خاضها مع الكيان العدوّي عادت إليه من باب أسعار الوقود وكلفة المعيشة. وبين الغلاء والقلق من الفساد، وجد الناخب الأميركي فرصة لمحاسبة إدارة طالبت الناس بتحمّل كلفة حرب لم تقدّم لهم طريقاً واضحاً لإنهائها. وهكذا تعلّمت واشنطن، وستتعلّمها مرة أخرى، أن الحرب التي تُشترى أصواتها بوعود لا تصوّت، بل تُحاسَب على فاتورتها.

واشنطن تدخل عامين من شدّ الحبال

في الثالث من كانون الثاني 2027 تبدأ ولاية الكونغرس الجديد. عندها يستطيع الديمقراطيون استخدام الاعتمادات المالية وجلسات الاستماع والتحقيقات للضغط على الإدارة، ويستطيع مجلس الشيوخ تعطيل تعيينات تحتاج إلى موافقته. وفي المقابل، يحتفظ ترامب بحق النقض وبمساحة واسعة للمبادرة الدبلوماسية والعسكرية. لذلك سيُقاس حجم التحوّل بقدرة الأغلبية الجديدة على ترجمة خطابها إلى شروط في الموازنة وقوانين قابلة للنفاذ، لا بعدد البيانات والاحتفالات. فالفوز الانتخابي الذي لا يتحول إلى سقف مالي أو بند في قانون، هو فوز يُقاس بالصور لا بالسلطة.

وتبدأ المحاسبة داخل الحزب الجمهوري قبل انتقال السلطة في الكونغرس. فمن يريد المنافسة في 2028 بات عليه أن يحسب كلفة الدفاع عن حرب خارجية أمام ناخب صوّت على فاتورة الوقود. وفي المقابل، سيواجه الديمقراطيون اختباراً سريعاً بين جناح يريد تقييد الإنفاق العسكري على الكيان العدوّي وقيادات عليها جمع الأصوات اللازمة لتمرير أي تغيير. أول موازنة وأول تصويت على المساعدات سيكشفان حدود هذا التحوّل، وهناك لا يُسأل أحد عن شعاره، بل عن صوته.

طهران تكسب هامشاً… والخليج يريد ضمانات

تقرأ طهران النتيجة على أنها فرصة لتحسين شروط التفاوض. كان الوسطاء القطريون يعملون على تضييق الفجوة بين الطرفين قبيل الاقتراع، فيما بقيت العقد الأساسية قائمة، من إعادة فتح مضيق هرمز إلى الحصار البحري الأميركي والعقوبات والأموال الإيرانية المجمّدة ومصير مخزون اليورانيوم المخصّب. ولأن الحرب باتت عبئاً انتخابياً، يصبح الاتفاق القابل للتسويق في الداخل أكثر جاذبية لترامب. ويبقى التصعيد احتمالاً إذا رأى الرئيس أن ضربة جديدة قد تنتزع تنازلاً يعجز الوسطاء عن انتزاعه. فالمفاوض لا يغير فلسفته حين يخسر، لكنه يغير سرعته، وسرعة التفاوض من دون تصرف في المواقف تظل وسيلةً لإدارة الأزمة لا لإنهائها.

أما دول الخليج، فحسابها يبدأ من أمن منشآت الطاقة وحرية الملاحة. أيّ تصعيد يرفع الكلفة على اقتصاداتها ويعرّض أراضيها للخطر، وأيّ تسوية أميركية إيرانية ستُقرأ في عواصمها على ضوء الضمانات التي تحملها لها. وفي اليمن، قد تساعد التهدئة في الخليج على خفض التصعيد، لكن مسار الحرب هناك يتوقف أيضاً على حسابات السعودية والحوثيين والأطراف اليمنية. هذه حدود الحديث عن «انتصار محور» بأكمله من صندوق اقتراع أميركي واحد، فمن يحتاج إلى انتصار يُقرضه صندوق اقتراع، لا يملك أن يستعيره من حرب تُدار في سماء أخرى.

نتنياهو يدفع ثمن رهانه على ترامب

سارع خصوم بنيامين نتنياهو إلى استخدام النتيجة ضده، معتبرين أن اقترابه من ترامب أضعف قدرة الكيان العدوّي على الاتكاء على الحزبين في واشنطن. والمفارقة أن ترامب نفسه أعلن يوم الاقتراع أنه اتفق مع نتنياهو على وقف التمويل العسكري السنوي بعد نهاية العام مع استمرار بيع السلاح. بقيت آلية التنفيذ غير واضحة، فيما تمتد مذكرة المساعدات القائمة حتى أيلول 2028. وفي الكونغرس الجديد، يُرجّح أن يزداد التدقيق في التمويل والتسليح والسياسة الإسرائيلية، خصوصاً مع وصول ديمقراطيين خاضوا حملاتهم على رفض الحرب على إيران أو معارضة المساعدات العسكرية للكيان العدوّي. وهنا يلتقي مصير الرجلين: زعيمٌ فقد أغلبية في الكونغرس، وزعيمٌ فقد أغلبيته في الكنيست، وكلاهما يبحث عن حربٍ تُغلق دفاتر المحاسبة قبل أن تُفتح.

بالنسبة إلى غزة والضفة ولبنان، الاختبار عملي. هل يصل الاعتراض الأميركي إلى شروط على التمويل أو صفقات السلاح، وهل يُترجم إلى ضغط على حكومة الكيان العدوّي لوقف الاعتداءات؟ هنا يُقاس أثر خسارة نتنياهو السياسية، بعيداً عن حماسة التصريحات في واشنطن. فالمنطقة لم تكسب من انتخابات أميركية قط ما لم تُفرض عليها شروطاً موقّعة، والاعتراض الذي لا يتحول إلى شرط مالي أو سلاح محجوب، يظل خطاباً يُقال ويُسمع ويُنسى.

أوروبا وروسيا والصين أمام واشنطن منقسمة

في أوروبا، ترافق الارتياح إلى تراجع ترامب مع حذر بشأن أوكرانيا والناتو والرسوم الجمركية. تستطيع الأغلبية الديمقراطية الدفع نحو تمويل إضافي لكييف ومساءلة الإدارة عن تنفيذه، فيما تبقى للبيت الأبيض اليد المباشرة في الاتصالات مع موسكو. ولهذا أبدى الكرملين أمله في استمرار مسار ترامب. أما بكين، فمن مصلحتها أن تنشغل واشنطن بخلافاتها وبالبحث عن مخرج لحرب إيران، لكن حسابها التجاري والأمني سيتحدد بما تفعله الإدارة في ملفات الرسوم والتكنولوجيا وتايوان خلال العامين المقبلين. فالعالم كله يقرأ اليوم انقسام واشنطن لا قوتها، والقوى الكبرى لا تعامل مع منقسم.

لبنان… حين يدفع البيادق ثمن رهانهم

في لبنان، يظهر النفوذ الأميركي في ملفات محددة. واشنطن ترعى مسار التفاوض مع الكيان العدوّي، والكونغرس له دور في تمويل دعم الجيش اللبناني، ووزارة الخزانة تملك أدوات العقوبات التي استخدمتها ضد المقاومة الإسلامية في لبنان وشبكات تتهمها بتمويله. وفي موازاة ذلك، تقترب نهاية ولاية قوة اليونيفيل المؤقتة في 31 كانون الأول، على أن يبدأ بعدها الانسحاب التدريجي، فيما يناقش مجلس الأمن ترتيبات متابعة تنفيذ القرار 1701. هذه الملفات هي التي ستكشف أثر الانقسام الأميركي على لبنان، لا ما يُقال في المؤتمرات الصحافية عن التعاطف معنا.

أما «بيادق أميركا» في السجال اللبناني، فهم في هذه القراءة أصحاب الرهان على أن إدارة ترامب تستطيع فرض نتيجة في الجنوب تمنحهم الغلبة في الداخل. راهن هؤلاء على ضغط أميركي متصاعد على المقاومة، وعلى أن يتحوّل ميزان الحرب إلى ميزان سلطة في بيروت. اليوم، إذا اختارت واشنطن تسوية مع طهران، فقد يجدون أن الأولوية الأميركية هي فتح هرمز وخفض أسعار الطاقة، وأن حساباتهم اللبنانية تأتي في آخر اللائحة. وإذا اختارت التصعيد، فإن القرى الحدودية هي التي ستدفع أولاً ثمن رهان عقده آخرون في مكاتب مكيّفة. وهذه هي قاعدة البيادق في كل معركة كبرى: يُطلب منهم أن يضحّوا، ولا يُسأل أحد منهم عن رأيه في القتال، ولا يُذكر اسمهم حين تُوزَّع الجلوس.

وللمقاومة الإسلامية في لبنان أيضاً حسابها. تراجع قدرة ترامب على تسويق حربه يمنح خصوم واشنطن هامشاً سياسياً، لكن قيمة هذا الهامش في لبنان تُقاس بما يتحقق على الأرض. هل ينسحب جيش العدو الإسرائيلي من المواقع التي يحتلها؟ هل تتوقف الغارات؟ هل يستطيع الجيش اللبناني الانتشار، وهل يعود الأهالي إلى قراهم بأمان؟ هذه الأسئلة يجب أن تكون في صلب أي بحث لبناني في السلاح وأمن الحدود وترتيبات ما بعد «اليونيفيل». فالسيادة لا تُقاس بقدرة المفاوض على الجلوس، بل بقدرة الأهل على العودة إلى أرضهم دون إذن أحد.

خسر ترامب الكونغرس لأن ناخبين أميركيين حاسبوه على قرارات طالت حياتهم. وفي لبنان، تبدأ المحاسبة حين نسأل من راهنوا على حربه لتحقيق غلبة داخلية سؤالاً واحداً: ماذا عاد على الجنوب من رهانكم؟ فالشهداء الذين قُدّموا في هذا الوطن لا يصيرون منافسةً انتخابية، والدم الذي ضحّى لأجل أن يبقى الوطن لا يقبل أن يُبادل بكلمة سياسية في جلسة تصويت. ومَن باع جنوبه بثمن وقود وضوء أخضر، فليقف اليوم أمام الشعب الذي لم ينحمك، وقدم له الحساب: بمن ربحت، وبمن دفعت؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي