الجنوب بعد اليونيفيل… من يراقب الحدود حين تغادر القبعات الزرقاء؟

الجنوب بعد اليونيفيل… من يراقب الحدود حين تغادر القبعات الزرقاء؟

تقرير ICON NEWS


لبنان يتمسك ببقاء مظلة دولية في الجنوب، فيما تتجه الأمم المتحدة إلى إنهاء مهمة استمرت 48 عاماً. ثلاثة سيناريوهات أممية مطروحة، ومهمة أوروبية جديدة لا تستطيع الحلول مكان القوة الدولية. فهل يدخل الجنوب مرحلة أمنية أكثر هشاشة؟

ليس انتهاء مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» تفصيلاً إدارياً يتعلق بإعادة توزيع القوات الدولية، ولا مجرد إقفال لبعثة أممية عملت في الجنوب منذ عام 1978. إنه تطور استراتيجي يطرح سؤالاً مباشراً على الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي: من سيراقب الحدود الجنوبية، ويوثّق الخروقات، ويساهم في منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، عندما تبدأ القوات الدولية بالانسحاب؟

المسألة أكثر خطورة لأن القرار الأممي اتُّخذ قبل التصعيد العسكري الجديد الذي شهدته المنطقة خلال عام 2026، وقبل أن تتضح نتائج المواجهة وتداعياتها على الجنوب اللبناني. وبينما لا تزال أجزاء من الأراضي اللبنانية تحت السيطرة الإسرائيلية، وتستمر الاعتداءات والتهديدات، يقترب موعد انتهاء الولاية الحالية لليونيفيل من دون اتفاق نهائي على بديل يمتلك صلاحيات مماثلة.


قرار أممي نهائي… والانسحاب يبدأ في نهاية العام


كان مجلس الأمن قد اعتمد القرار 2790 في آب 2025، وقضى بتمديد ولاية اليونيفيل للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية تقليص القوات وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال سنة واحدة.

وبموجب القرار، تتوقف العمليات الأساسية للبعثة في نهاية العام، فيما تستمر خلال مرحلة الانسحاب مهام محددة، بينها حماية موظفي الأمم المتحدة ومرافقها، ومتابعة الوضع الأمني في محيط مواقعها، والمساهمة في حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية ضمن الإمكانات المتاحة.

وهذا يعني أن 31 كانون الأول ليس موعد خروج جميع الجنود الدوليين فوراً، بل بداية مرحلة انسحاب تدريجي يفترض أن تكتمل خلال عام 2027. 
 


لكن الفارق جوهري بين استمرار وجود أفراد دوليين في مرحلة الانسحاب، وبين استمرار مهمة عسكرية تمتلك صلاحيات المراقبة والتنسيق والانتشار التي عرفها الجنوب طوال عقود.
ثلاثة سيناريوهات أممية… أيها يحمي الجنوب؟
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عرض ثلاثة تصورات لوجود أممي محتمل بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، تختلف من حيث الحجم والصلاحيات والقدرة على مراقبة الخط الأزرق.

السيناريو الأول يقوم على وجود نحو 350 مراقباً عسكرياً غير مسلح، تدعمهم قوة حماية مسلحة، مع قدرة على مراقبة نحو ثلثي الخط الأزرق، وإمكانية محدودة للتدخل بين الأطراف ومنع الاحتكاك.

أما السيناريو الثاني فيقترح نحو 285 مراقباً، مع قوة حماية أصغر، وقدرة محدودة على التنسيق واحتواء التصعيد ومساعدة الجيش اللبناني.

ويطرح السيناريو الثالث وجوداً أصغر، يضم نحو 215 مراقباً غير مسلح، يعتمد بدرجة أكبر على وسائل المراقبة التقنية، مع قدرة محدودة على التواصل بين الأطراف، ومن دون قدرة فعلية على التمركز الفاصل بينها لمنع التصعيد.

هذه التصورات ليست قرارات نافذة، ولا يعني عرضها أن مجلس الأمن وافق على أحدها. فأي وجود أممي جديد يحتاج إلى قرار من المجلس، حيث تستطيع الدول الخمس الدائمة العضوية استخدام حق النقض. 
 


وهنا تظهر المعضلة: هل يريد المجتمع الدولي قوة تراقب وتوثّق فقط، أم قوة تستطيع المساهمة فعلياً في منع الاحتكاك عندما تتدهور الأوضاع الميدانية؟
المهمة الأوروبية ليست بديلاً عن اليونيفيل
في 12 تشرين الأول 2026، اتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على إنشاء مهمة دعم جديدة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لمدة أولية تبلغ ثلاث سنوات.

وتركّز المهمة على تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية اللبنانية، والمراقبة العسكرية، ومكافحة التهريب، وأمن الحدود والمجال البحري.

لكن النقطة التي يجب عدم إغفالها أن هذه المهمة الأوروبية لا تشكل بديلاً عن اليونيفيل، ولا تمتلك بالضرورة صلاحيات قوة حفظ السلام أو مهمتها في مراقبة الخط الأزرق والقيام بدور الوسيط الميداني بين الأطراف.

بمعنى آخر، يستطيع الأوروبيون تدريب الجيش ودعمه، لكن ذلك لا يعني أنهم سيؤدون الدور نفسه الذي كانت تقوم به اليونيفيل في الجنوب. 
 


وهذا يضع الدولة اللبنانية أمام تحديين متوازيين: تعزيز قدرات الجيش، والحفاظ على مظلة دولية قادرة على مراقبة الوضع الميداني خلال مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
واشنطن وتل أبيب لا تريدان عودة الصيغة السابقة


لا ينفصل قرار إنهاء ولاية اليونيفيل عن الخلاف الدولي حول فعالية المهمة. فقد انتقدت الولايات المتحدة وإسرائيل أداء القوة، معتبرتين أنها لم تتمكن من منع حزب الله من بناء قدراته العسكرية في الجنوب.

في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن دور اليونيفيل بموجب القرار 1701 يقوم على مساعدة الجيش اللبناني، ومراقبة وقف الأعمال العدائية، والإبلاغ عن الخروقات، وليس القيام مقام الدولة اللبنانية أو خوض مواجهة عسكرية مع أي طرف.

وتشير إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني الصادرة في 24 أيلول 2026 إلى أن إسرائيل تعارض نشر قوة دولية جديدة في الجنوب، فيما تتمسك بيروت إما بالتراجع عن قرار إنهاء اليونيفيل أو إنشاء قوة دولية بديلة ضمن إطار قانوني واضح. 
 


وهنا يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: إذا كانت إسرائيل ترفض وجود قوة دولية بديلة، فكيف يمكن ضمان ألا يتحول الانسحاب إلى فرصة لفرض وقائع ميدانية جديدة على الحدود؟
لبنان يريد بقاء المظلة الدولية… ولكن ماذا عن السيادة؟
الموقف اللبناني، وفق المواقف الرسمية التي نقلتها التقارير الدولية، يتمسك باستمرار وجود دولي في الجنوب، ويفضّل أن يكون تحت مظلة الأمم المتحدة، لما توفره من إطار قانوني وغطاء دولي وحياد نسبي في التعامل مع الأطراف.

وقد حذرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في آب 2026 من أن الانسحاب من دون وجود دولي بديل وفاعل قد يترك المدنيين أمام مخاطر أمنية وحقوقية متزايدة، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والنزوح والسيطرة الإسرائيلية على مناطق جنوبية. 
 


لكن التمسك بوجود دولي لا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤوليتها الأساسية. فالقوة الدولية ليست بديلاً عن الجيش، ولا تستطيع أن تمنح لبنان سيادة كاملة فيما تستمر السيطرة الإسرائيلية والاعتداءات على أراضيه.

كما أن أي صيغة جديدة يجب ألا تتحول إلى غطاء سياسي لفرض ترتيبات أمنية على لبنان من الخارج، أو إلى وسيلة لتكريس واقع ميداني يخدم مطالب الاحتلال.
السؤال الذي يجب أن تجيب عنه الحكومة
المشكلة ليست في عدد الجنود الدوليين الذين سيغادرون أو يبقون، بل في طبيعة المرحلة التي ستلي انتهاء المهمة.

هل تملك الحكومة اللبنانية تصوراً واضحاً عن آلية مراقبة الحدود بعد اليونيفيل؟ وهل يستطيع الجيش اللبناني سدّ الثغرات الميدانية واللوجستية؟ وهل ستقبل إسرائيل بوجود دولي بديل؟ ومن سيتولى توثيق الخروقات ورفع التقارير إلى المجتمع الدولي إذا تقلص الوجود الأممي؟

هذه ليست أسئلة تقنية، بل عناصر أساسية في حماية الاستقرار ومنع الحرب.

 

الجنوب لا يحتاج إلى مجرد استبدال اسم قوة دولية بأخرى، ولا إلى مراقبين يكتفون بتسجيل الخروقات من دون قدرة على التأثير في مسار الأحداث. ما يحتاج إليه لبنان هو صيغة دولية واضحة، ذات تفويض قانوني فعال، تضمن مراقبة الحدود، وتوثيق الاعتداءات، ودعم الجيش، وعدم ترك المدنيين تحت رحمة موازين القوة العسكرية.

إن انتهاء ولاية اليونيفيل قد يكون نهاية فصل طويل من الوجود الدولي في لبنان، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى بداية مرحلة يصبح فيها الاحتلال أكثر قدرة على فرض شروطه، وتصبح فيها القرى الجنوبية أقل حماية وأقل قدرة على إيصال صوتها إلى العالم.

السؤال ليس من سيحل مكان اليونيفيل فقط، بل من سيضمن ألا يتحول غيابها إلى مكسب إسرائيلي وخسارة لبنانية؟

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي