حرب السودان وارتداداتها على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي

  حرب السودان وارتداداتها على أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي

خاص Icon News

كمال مساعد

باحث في الشؤون الاستراتيجية



لم تعد الحرب في السودان أزمة داخلية تقتصر آثارها على حدود الدولة، بل تحولت إلى أحد أبرز المتغيرات المؤثرة في البيئة الأمنية للبحر الأحمر والقرن الإفريقي. فمع استمرار القتال والمواجهات وتراجع مؤسسات الدولة، تجاوزت تداعيات الصراع الإطار الوطني لتنعكس على أمن الحدود وحركة التجارة واستقرار دول الجوار والتوازنات الجيوسياسية، في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. لذا يبرز سؤال جوهري: كيف تحولت الحرب السودانية من صراع داخلي إلى قضية ترتبط بالأمن الإقليمي؟

علماً أن خصوصية الأزمة السودانية لا تكمن فقط في الموقع الجيوسياسي الذي يحتله السودان، إذ يشكل حلقة وصل بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل والبحر الأحمر، ويجعل هذا الموقع أي اضطراب داخلي قابلاً للامتداد خارج الحدود.
 السودان وأهمية البحر الأحمر

يتميز البحر الأحمر بموقع جغرافي واستراتيجي، لأنه ملتقى قارات العالم القديم، وهو حلقة وصل بين ثلاث مناطق إقليمية هي: الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والمحيط الهندي، إضافة إلى منطقة الخليج.

وتطل عليه ثماني دول، منها ست دول عربية هي: المملكة العربية السعودية ومصر والسودان والأردن واليمن وجيبوتي، ودولتان غير عربيتين هما إسرائيل وإريتريا. وتقع أربع دول منها في قارة إفريقيا، وهي مصر والسودان وجيبوتي وإريتريا، والأربع الأخرى في آسيا، وهي السعودية والأردن واليمن وإسرائيل.

(وما يجري اليوم من مواجهة انعكاس مباشر) لأهمية البحر الأحمر، وتكمن أهميته الاستراتيجية للأمن القومي العربي في ثلاث دوائر: الأمن العربي والأمن الإفريقي والأمن العالمي، ومركزه القرن الإفريقي، فهو يُعتبر قناة وصل بين البحار والمحيطات المفتوحة.

ومن هنا تبرز تزايد أهميته الاستراتيجية، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية أو الأمنية، فهو الطريق الرئيسي الذي يمر من خلاله نفط الخليج العربي وإيران إلى الأسواق العالمية في أوروبا، إذ تحتاج أوروبا إلى نقل 60% من احتياجاتها من الطاقة عبر البحر الأحمر، خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، وأيضاً نقل نحو 25% من احتياجات النفط للولايات المتحدة الأميركية من خلاله.

كما أن البحر الأحمر يشكل محوراً مهماً لأي عمل عسكري معادٍ يهدد المصالح الأميركية في المنطقة وما حولها، كما يجري الآن من تهديد لضمان أمن إسرائيل، الذي تتعهد به الولايات المتحدة الأميركية، وفشلت خلال الحرب في منع سيطرة قوى (معادية) (اليمن أو إيران) عليه، وخاصة مضائقه المهمة.

## الصراعات والنزاعات الحدودية

لذا تدور في البحر الأحمر مجموعة متداخلة من النزاعات السياسية ذات الطابع الدولي أو الاستراتيجي أو الإقليمي أو الحدودي أو الثقافي أو الاجتماعي أو العرقي أو العنصري.

ويساهم عامل الجغرافيا السياسية والاقتصادية ومقاصد الدول الكبرى في فهم أعمق لطبيعة النزاعات في البحر الأحمر، وأن هذه النزاعات هي اثنا عشر نزاعاً تدور في الوقت الراهن بين دوله وفي المناطق المتاخمة له.

ويمكن تقسيم هذه النزاعات إلى فئتين: النزاعات المباشرة والنزاعات غير المباشرة.

وتضم الفئة الأولى مجموعة من النزاعات الدائرة بين طرفين من الدول المطلة على البحر الأحمر، وتشمل الصراع العربي الإسرائيلي وما يجري في غزة، والاحتكاكات الحدودية المصرية السودانية، والتوتر السوداني السوداني مع إثيوبيا، ومشكلة جنوب السودان والصراع على السلطة، واحتلال إريتريا جزيرة حنيش اليمنية، والوجود الفرنسي في جيبوتي وعدة دول إفريقية، ونزاع أوجادين بين إثيوبيا والصومال.

أما النزاعات غير المباشرة، فهي التي تقع بين طرفين، أحدهما أو كلاهما من خارج الدول المطلة على البحر الأحمر، وهذه النزاعات هي: توريط دول الخليج في الحرب الأميركية الإيرانية، والعلاقات السودانية الكينية، والعلاقات الحدودية السودانية الليبية، والسودانية التشادية، والصومالية الكينية.

حيث كان البحر الأحمر ومضائقه وخلجانه وجزره جزءاً من الحروب والصراعات الدولية المتشابكة. من هنا يبرز البحر الأحمر بوصفه أحد أكثر الفضاءات تأثراً بهذه المتغيرات والتحولات، فهذا الممر البحري يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية التي تعتمد عليه حركة نقل الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.

وأي تدهور أمني في السودان، ولا سيما المناطق القريبة من ساحله، يثير مخاوف تتعلق بأمن الملاحة البحرية وسلامة خطوط الإمداد الدولية.

إلا أن الحرب كشفت عن حجم الترابط بين الأمن الوطني السوداني والأمن الإقليمي، فاستقرار السودان لم يعد مسألة داخلية فحسب، بل أصبح عنصراً مؤثراً في استقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مما اضطر دول الجوار إلى تعزيز الرقابة على حدودها والتعامل مع موجات نزوح سكانية واسعة ومواجهة تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، الأمر الذي ألقى بأعباء إضافية على مواردها وخططها التنموية.

## السيطرة على البحر الأحمر

في مقدمة الدول الكبرى الأكثر نفوذاً في البحر الأحمر تأتي الولايات المتحدة الأميركية، حيث يمثل هذا البحر أهمية خاصة لها، ورغبتها في السيطرة عليه لأهميته الاستراتيجية وارتباطه المباشر بمنطقة الخليج العربي، ولضمان استمرار تأمين الخطوط الملاحية التي يمر بها النفط عبر البحر الأحمر وقناة السويس، ولاستمرار دورها الفاعل في منطقة الشرق الأوسط مع إعادة ترتيب المنطقة طبقاً لمصالحها الاستراتيجية.

لذا يأتي التسابق الدولي وإعادة التموضع بين أقطاب القوى الدولية في البحر الأحمر موضع تساؤل، ويتضح مدى خطورة هذه المنطقة في نشوب أي نزاع عسكري بين دول الإقليم (آسيا وإفريقيا)، أو كما نشاهد اليوم في الحرب مع اليمن.

بحيث إذا نظرنا إلى خريطة التحالفات الدولية في المنطقة، يتضح أن هناك نوعاً من الخطوة «الاستباقية» لكافة الدول التي لها موطئ قدم في الشرق الأوسط (الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وإسرائيل، وفرنسا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، والصين، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة التي خاضت حرباً تارة متحالفة وطوراً في مواجهة مع المملكة العربية السعودية على اليمن).

وهذا يوضح مدى تكتل هذه القوى في مواجهة المخاطر في المنطقة، بل إن هذا التواجد الكثيف لبعض دول العالم في منطقة البحر الأحمر يمكن أن يشكل تهديداً للأمن القومي العربي في المستقبل بطريقة أو بأخرى.

لذا تتحرك إيران عبر حلفائها الحوثيين لتعزيز السيطرة على باب المندب، بوصفه رافعة إضافية إلى جانب مضيق هرمز، ويمنح التقدم الحوثي في سبتمبر 2026 طهران منصة ضغط على السعودية ومصر وإسرائيل، من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر وكبير على الضفة الإفريقية، فضلاً عن قدرتها على التأثير في الملاحة الإقليمية انطلاقاً من اليمن.

لهذا، فإن مستقبل البحر الأحمر والقرن الإفريقي سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بمستقبل السودان، ولذلك فإن احتواء الأزمة السودانية وتداعياتها لا يقتصر على التوصل إلى هدنة مؤقتة، بل يتطلب إطلاق عملية سياسية شاملة تعيد بناء مؤسسات الدولة وتعزز سيادة القانون وتوفر إطاراً وطنياً جامعاً يعالج جذور الصراع وينهي حالة التمرد والانفصال ويؤسس لاستقرار مستدام.

أما منطقة القرن الإفريقي، فهي تطل على البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، ويمكن لمن يسيطر عليها أن يتحكم في مضيق باب المندب، الذي يعد واحداً من أهم الممرات المائية في العالم، تجارياً وعسكرياً، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، التي أشارت إلى أن الدول الكبرى تنفق ملايين الدولارات لحماية ممرات التجارة العالمية.

كذلك يعتبر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن القرن الإفريقي يُعرّف بأنه المنطقة التي تضم إريتريا وجيبوتي والصومال وإثيوبيا، لكن من الناحية العسكرية، فإن القرن الإفريقي يشير إلى فضاء عسكري أمني بامتياز، يضم، إضافة إلى الدول الأربع، كلاً من كينيا وسيشيل ودولة جنوب السودان وجمهورية السودان.

وتشمل حسابات القوى العسكرية الأجنبية في تلك المنطقة الوجود العسكري البحري في خليج عدن وجنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما يضع المخططون العسكريون القوات الأجنبية الموجودة في مناطق قريبة من القرن الإفريقي، وتتعاون مع القواعد الموجودة في المنطقة، ضمن حسابات القوى الخاصة بالقرن الإفريقي، خاصة القوات الموجودة في الساحل الإفريقي والخليج والمحيط الهندي.

إن موقع السودان والحرب الدائرة فيه وارتداداتها على أمن منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، تبقى على الدوام محط أنظار الدول الاستعمارية الكبرى، نظراً لما تتمتع به من أهمية جغرافية واستراتيجية كسلة غذاء للعالم العربي.

ونظراً لأن دول البحر الأحمر تطل على المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم في المدخل الجنوبي حيث مضيق باب المندب، فإن دوله تشرف على طريق التجارة العالمي، وخاصة تجارة النفط القادمة أو المتوقفة حالياً من دول الخليج والمتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة، كما أنها تُعد ممراً مهماً لأي تحركات عسكرية من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي.

| لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp) .اضغط هنا

تابعوا آخر الأخبار من icon news على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من icon news على Telegram

نسخ الرابط :

(يلفت موقع “iconnews ” انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره)

:شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعي